رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

معجزة إلهية
التجديد

أودع الله تعالى فى شريعة الإسلام عوامل الحيوية، بما يجعلها صالحة لكل مكلف فى أى زمان ومكان، وقادرة على مواجهة مختلف المتغيرات المكانية والزمانية ومستوعبة لجميع الوقائع ومواكبة للمستجدات المتطورة بما يُنَظَّم حياة الناس وسائر علاقاتهم ومعاملاتهم ويصرِّف مصالحهم بصورة عادلة ويحقق أمنهم واستقرارهم ويضمن سعادتهم دنيا وآخرة. فهى شريعة سمحة سهلة لا حرج فيها كما قال الله تعالي: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وهى شريعة خالدة باقية احتوت تطور الأمم وتقدم المجتمعات، ولم يؤثر فيها جديد الابتكارات والاكتشافات على تنوع مجالاتها، وذلك لجمعها بين الثبات والمرونة فى تناسق مبدع يضع كلًّا منهما فى محله الصحيح؛ فالثبات يكون فى القطعيات والكليات والقيم التى من شأنها أن تُخَلَّد وتبقى، والمرونة تكون فى الجزئيات والفروع وما من شأنه التغيير والتطوير.

لقد وضع النبى صلى الله عليه وسلم منهاجًا حكيمًا فى التعامل مع النصوص الشرعيَّة وكيفية الاستنباط منها، ومواجهة المستجدات ومعالجة اختلاف الأحوال بها؛ بل أرشد المتخصصون -ومنهم الفقهاء- فى الأمة جيلًا بعد جيل بضرورة الاجتهاد، والكشف عن الأحكام الشرعيَّة لكل فعل للمكلف، وضبط سلوكياته حتى يكون إنسانًا صالحًا وأداة بناء وتعمير لا مشوهًا وأداةَ هدمٍ وتدمير. ومن الأدلة الواضحة على ذلك: سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضى الله عنه معلمًا إياه حين بعثه إلى اليمن قاضيًا: «كيف تقضى إذا عرض لك قضاء؟»، قال: أقضى بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد فى كتاب الله؟»، قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «فإن لم تجد فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فى كتاب الله؟» قال: أجتهد رأيى، ولا آلو فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره، وقال: «الحمد لله الذى وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضى رسول الله» (سنن أبى داود رقم 3592)، وفيه بيان لأسس فقه الاستنباط والاجتهاد والفكر الأصولي: العلمية والمنهجية، وتأكيد مشروعية اتساع الأدلة الأصولية وتشعب البحث الأصولى، بل بعث النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث وغيره الطمأنينة فى نفوس المسلمين باتباع هذه الاجتهادات والعمل بها ما دامت صدرت من أهلها وإن اختلفوا!

ولا شك أن التوسع فى الاستدلال وإيراد الشواهد أمر تكفلت به مراجع متعددة تراثية وحديثة، وما يهمنا هنا أن هذه الدلالات شواهد ملموسة تؤكد فتح باب الاجتهاد وأنَّ أُفُقَهُ واسعٌ جدًا عبر العصور حتى باتت الأمة ذات حضارة، لها من الذخائر والتراث والزاد العلمى والتشريعى فى معالجة أنماط المعاملات والوقائع المستجدة والأعراف والتصرفات المتنوعة ما لا تملكه أمة سواها، ولعل أبرز شهادة على ذلك ما قرره المؤتمر الدولى المقارن فى دورته الأولى بلاهاى سنة 1932م، وما قرره مؤتمر المحامين الدولى سنة 1948م من اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر التشريع العام.

إن هذه الدلالات تؤكد فى طياتها أن واجب الوقت وكل وقت هو الاجتهاد من أهله؛ فهو مظهر لمرونة الشرع الشريف وصلاحيته لكل زمان ومكان، والمرونة هى الخط الفاصل بين الحركة المطلقة التى تخرج بالأمر عن حقيقته وضوابطه، وبين الثبات المطلق الذى يجعل الشيء جامدًا صلدًا غير مناسب لمكانه ولا لأوانه!


لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: