رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سبتمبر

الخريف الذى غازله قديما نجيب محفوظ، ممتدحا زرقة سمائه الصافية وسحابه الأبيض كاللبن الحليب، يبدأ، أو كان يبدأ، فى سبتمبر, أقول كان لأن الجو لم يعد يبرد بنفس القدر مع حلول الخريف ودخول سبتمبر، فما نزال نسمع ونحن نقترب من منتصف الشهر بغابات تحترق من شدة الحر. وها نحن تجاوزنا المنتصف، والصيف يتلكأ فى الرحيل، كأنه يطالب بملكية شهر يُعلَن الخريف رسمياً فى أيامه العشرة الأخيرة.

وفى ذكريات الطفولة، كان سبتمبر شهر النسمات العليلة، والرحيل عن المصيف استعداداً لدخول المدارس. وإن تأخرنا قليلاً فى مغادرة البيت الخشبيّ الصغير، الذى كانت تسكنه أسرة جدى لأمى قريبا من رمل الشاطئ فى صيف الإسكندرية، كان الجو يبرد فى الليل ويعلنها صراحة أننا يجب أن نرحل وبسرعة، فالمنطقة القريبة من البحر فى حى سيدى بشر صارت مهجورة من سكانها أو تكاد.

الآن جمرة الصيف مازالت متقدة، حتى بعد غروب الشمس, والإسكندرية لم تعد مصيفا، بل مدينة ساحلية مزدحمة فقط. انتقلت الإسكندرية القديمة بصيفها وبدء خريفها من الجغرافيا إلى الذاكرة, وكذلك انتقل الولد القديم فالمراهق القديم مع سبتمبر القديم إلى خزانة أو صندرة وجدان الكهل الذى يكلمك الآن. ولست أدرى وأنا أحدثكم فى هذه اللحظة: هل الشجن من صفات سبتمبر الأصيلة، أم أنه شىء يخص حالة التذكر والحنين إلى الزمن الذى ولَّى، والتحسُّر على اختلاف الزمان؟ أمَّا المؤكد أن الجو فى الخريف كان مختلفاً ذات يوم، ذات يوم بعيد. فلم يكن موسمه يتداخل مع حر الصيف.

ويرتبط سبتمبر فى وجدانى أيضاً بالأصدقاء, فمعظم أصدقائى وُلدوا فى سبتمبر، ومعظم هؤلاء عرفتهم فى عهد الصبا، وكلهم لم أعد أراهم الآن إلا قليلاً. أحدهم رحل عن الوجود، وآخر أخذه منى الحزن فلم يعد يخرج من بيته, والباقون أخذتنى منهم الكهولة، وقلة الحركة، وانطواء النفس على النفس وانشغالها بهمومها وأوهامها الخاصة. لم يعد لى أصدقاء, إلا فى الذاكرة. ويذكرنى سبتمبر أيضاً بأبي؛ بديوانه الأخير (أنغام سبتمبرية)، الذى يرثى فيه حلم عبد الناصر الذى - كما يقول فى مقدمة الديوان - (مات كمداً فى سبتمبر). ويحكى أيضاً فى تلك المقدمة كيف ارتبط شهر سبتمبر فى وجدانه بجيشان الشجن، لأنه كان يرى النيل فى صباه يفيض فى ذلك الشهر، ويكسو الضفاف بالغرين الأحمر، الذى يذكرنى أنا بعيون أبى فى سنواته الأخيرة حين كانت كانت كثيراً ما تغرورق بشجنها الخاص وطميها الخاص الأحمر. وأتذكر أيضاً حكاية رواها لى أبى عن جده أحمد حلمى، الصحفى المجاهد وزميل مصطفى كامل فى الحزب الوطنى، والذي, فى أيامه الأخيرة أيضاً, كان يجلس بجوار المذياع، وأبى فى السادسة من عمره، وكانت عينا جدنا تفيضان دموعاً حين تخرج من المذياع أغنية نّورت يا قطن النيل وتخترق صدره إلى قلبه العمران.

أمّا أنا، فأنا كهل بلا دموع. جفّت عيونى من سنين فلم تعودا تجودان بأى فيض دمعى أو كرم إنسانى. لكن الشجن الوراثى ما زال يمور فى قلبى فى موسم فيضان النيل القديم، وذكرى رحيل عبد الناصر وأشياء كثيرة أخرى: نسمة الخريف مع دخول سبتمبر، وعربات النبق والحرنكش والدوم والجزر الأحمر التى كانت تنتظرنا أطفالاً خارجين من باب المدرسة فى طريقنا للبيت، والبحر الساجد تحت السماء سجادة زرقاء فى الأسبوعين الأولين من سبتمبر، قبل أن يدخل البرد فجأة، فنلم أغراضنا بسرعة عائدين للقاهرة، فقد نسينا أنفسنا من جمال الماريّا وبحرها فأطلنا المكوث فى الإسكندرية خاشعين فى حضرة الجمال.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين

رابط دائم: