رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«أيّوب المصرى» بين الإلهام والإيهام

ساندًا ظهره على شجرة الوطن القديمة يجلس «أيوب المصري»، مُتدبرًا في مشهد المسير بوطنِه نحو صبحٍ يرجوه قريبًا، حيث أيادي الإرادة بوعي الإدارة تُبدد كل غيوم تستبد بالآفاق لتبتعث شمس القدرة المصرية تسطع في كل أفق، إنَّه اليقين المُستقر في نفس «أيوب» بالوطن وناسه، يقينٌ لا تَهز أركانه مُسببات التردي مهما يطل استبدادها بالأيام، ولا يُشكك فيه خوار طال عزائم الأبناء، ولا يحول دونَه وهن ران على أسباب العافية فسادًا وإفسادًا، وإنَّه اليقين المُستقر في وعي كل «أيوب» منذ أطل وجهُ «بهية» على الدنيا، فكلما نما عُمر الأوطان تَعتَقت الخبرات في جينات أبنائها، واختمرت الطاقات في نفوس مواطنيها، وحين لا تجد هذه الخبرات والطاقات سبيلًا لتفعيلها يتراجع تأثيرها بتعطُلِها وبتتابع هجرها تلجأ إلى الكمون حتى تُصادف الإدارة المُلْهِمة لأسباب الاستنهاض، تلك التي تفتح نوافذ الوعي لمؤذني النهوض والبناء، يُنادون في أفئدة المُحبين لتَتَحرر طاقاتهم من أسْرِ كُمونها (يا قُمقُم اللِّي بَنَاها : على بُكرَه وَصيتك* تُنْفُضْ غُبَار أَعْمَارْ، تِرفع عِيدانْ بِيتَك* تِزْرَع شُموسْ صُبْحَكْ، يِفْرِشْ مَدَى غِيطَك* يَا قُمْقُمْ اللِّي هَواهَا : مَا تصَحِّي عَفريتك!).

يَقطَع تدبر «أيوب» في مشهد الصبح المَرْجُوْ، وجوهٌ تُطل من نوافذ صناعة الوعي، جميعها تتسم بالزعيق أيًا ما كان اتجاه خِطابها أو تخصصه، ليضج المشهد بأصواتٍ مُتداخلة، جميعها تتجاوز فرض الآن استنفارًا للطاقات المُعطلة، وتتعدى كًل أدوارها الأصيلة في صناعة الإلهام ليغري كل قدرة غادرها العزم والإرادة، ولتُحيل كل الخِطابات من مسار الإلهام إلى الإلهاء، فتصطدم الأحلام الخُضر في وعي الناشئة بأن نجومية الوقت محصورة بين حناجر شذَّت عن كل فن، وأقدامٍ تتبارى على ملاعب التعصب، ومُنحرفين أحالتهم أيام التردي إلى الإبداع في ساحات الجريمة، وأهل اجتهادٍ يوجهون تأملاتهم إلى ما يخرج بالمُعتقَد عن رحابة الإيمان، ويُلقي بالمُعتَقِد إلى غياهب التفريط أو التطرف، وأصحاب مآرب يحملون دفوفًا يقرعونها بفجاجة ألحانها لكل من تولى دونما خجل من تكرار عزف نفس اللحن رغم تغير المستهدفين بالسماع!، يستند «أيوب المصري» على عصاه ليقوم من مجلسه أملًا في بلوغ مساحة تؤهله لمواصلة التدبر في مشهد صبح «بهية» المنشود، لكِنَ مسعاه يتوه في زعيق النوافذ المتنوعة مقروءة ومسموعة ومرئية.

يتذكر «أيوب المصري» وثيقة المفكر (ناعوم تشومسكي) التي وُصِّفَت بأنها (سرية للغاية)، وعثر عليها عام 1986م رغم أنها صيغت عام 1979م، وتحمل عُنوانًا حربيًا صرفًا هو (الأسلحة الصامتة لخوض حرب هادئة)، ويُمكن عدُّها دليلًا عمليًا لعمليات التحكم والتوجيه في الأوطان والمجتمعات وصولًا لأصغر مكوناتها (المواطن)، وفيها توصي المُقدمة القائمين على عمليات إلهاء الشعوب (حافظوا على تحويل انتباه الرأي العام بعيدًا عن المشكلات الاجتماعية الحقيقية، وألهوه بمسائل تافهة لا أهمية لها، أبقُوا الجمهور مشغولا.. مشغولا.. مشغولا.. دون أن يكون لديه أيُّ وقت للتفكير، فقط عليه العودة إلى المزرعة مع غيره من الحيوانات الأخرى) وبحسب "تشومسكي" فإن إلهاء أصحاب السيادة –الشعوب- يقوم أساسًا على صرف انتباهها عن (القضايا والتغييرات الاجتماعية المهمة التي تحدِّدها النخب السياسية والاقتصادية، من خلال تصدير كَمّ كبير من الإلهاءات والمعلومات التافهة)، وصولًا إلى استخدام خطاب يُرسخ لطفولة الوعي الجمعي (خاطِب العامّة كأنهم أطفال)، واعتبار التجهيل غاية الإلهاء لضمان استقرار شكلي وهو ما تنص عليه الوثيقة (إبقاء العامة في حالة من الجهل والغباء)،وهكذا بحسب «تشومسكي» يجلس منْ يُدير عمليات الإلهاء كل صباح (يضحك على الناس، ويُمعن في استغفالها)، إنها المسافات الشاسعة بين إلهام أصحاب السيادة وإلهائهم، وعلى امتداد هذه المسافات تكون شرفات صناعة الوعي والتي كلما استشعرت أمانة ثغورها تكون أحرص على استيعاب مسارات نهضة الأوطان وخطوات استنهاض طاقات أصحاب السيادة فيها، لتُنتج لها ما يُناسبها مِنْ خِطاب يُحصن المسير ويدعم واعيًا كل مكَلفٍ بإدارة ويلفظ فِطريًا كل تشوه يفرضه أصحاب الغرض، فلا استقرار والإلهاء مُتسيد ولا تهديد والإلهام خطاب يغري كامن الطاقات.


لمزيد من مقالات عبد الجليل الشرنوبى

رابط دائم: