رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حكم قضائى يهزم «مملكة» الفساد!

توقفت أمام حكم قضائى جريء وشجاع.. يلزم الحكومة ممثلة فى الإدارة المحلية بالمسئولية عن سلامة وحياة مواطنيها أمام القضاء، بصرف النظر عن الجانى ثم تتولى محاسبة المجرم، حكم فى جوهره يقول وداعا لسلبية الإدارات التى تتقاعس عن أداء دورها وتترك ضحايا الإهمال يذوقون المر أمام ألاعيب حيتان المحليات حيث يطفح الفساد للركب، ويضيع حقوق الضحايا وفقاً لمبدأ: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون!.

الحكم الجريء والحضارى الذى أيدته أمس المحكمة الإدارية العليا وقضت برفض الطعن المقدم من رئيس الوحدة المحلية بمدينة رشيد ووضعت حدا لدراما إنسانية مثيرة، بطلها زوج وزوجته تقدما بشكوى لرئيس مجلس مدينة رشيد ضد صاحب محل خردة ولحام دون ترخيص بشارع الحدادين يهدد حياتهما، لكن لعب الفساد لعبته ولم يحرك أحد ساكنا، حتى شاء القدر فى أثناء العمل أن تنفجر أُسطوانتا غاز فى وجه صاحب المحل فى أثناء مرور الزوج صاحب الشكوى وفقد على أثره الاثنان روحيهما بسبب إهمال الوحدة المحلية فى القيام بواجبها بغلق المحل!.

ورفعت الزوجة الأرملة دعوى ضد رئيس الوحدة المحلية بصفته تطالب بتعويض عما لحق بها وأولادها من أضرار، وصدر الحكم ـ الذى نشرته صحيفة الوفد بالتفصيل ـ من محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية برئاسة المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة بإلزام رئيس الوحدة المحلية لمركز ومدينة رشيد بتعويض زوجة لنفسها وبصفتها وصية على أولادها القصر بمبلغ 100 الف جنيه عما لحق بهم من اضرار مادية ونفسية جراء وفاة عائلهم فى حادث انفجار انبوبتين للغاز فى محل خردة أقيم دون ترخيص وألزمت الإدارة بالمصروفات!.

الحكم جريء فقد جرت العادة فى مثل هذه القضايا أن يترك أهالى الضحية يذوقون الأمرين فى مواجهة المتسبب فى الجريمة مباشرة من الجهات الإدارية أو الحكومية، خاصة لو وقعت الحادثة فى غير أوقات العمل الرسمية وما أكثر جرائم الخطف والسطو أو العدوان على أرض الدولة التى يتفق خفافيش الظلام بارتكابها أيام العطلات لتخرج الإدارة المحلية كالشعرة من العجين، لكن القاضى محمد عبد الوهاب خفاجى استخرج من هذه القصة الحزينة مبدأ رادعا لهذا الإهمال وجديداً لمصلحة المواطنين الضحايا، لأنه فى حال تعدد الأسباب المتكافئة المؤدية للضرر تجعلها جميعا متعادلة فى المسئولية، فالمحليات بالتالى مسئولة عن عدم غلق المحال الخطيرة دون ترخيص وملزمة بالتعويض حال وقوع الحوادث، والحكم لا ينتصر فقط للمرأة المصرية لكنه أيضا يعجل بتطهير المحليات وتفعيل دورها فى الرقابة الميدانية الحقيقية وليست المكتبية أو الصورية، ويلزمها بتعويض الزوجة (ث.إ.ق) وأطفالها، وهو ما يعد جرس إنذار لكل إدارة تتقاعس عن القيام بدورها وسيفا مسلطا على رقاب المسئولين بالمحليات فى غلق المحال الخطيرة الضارة بالسكان دون ترخيص والمنتشرة فى أحياء عديدة فى ربوع البلاد!.

وأهمية هذا الحكم ليست فى إصرار الزوجة المكلومة على حقها وعدم يأسها من الحصول على التعويض وأطفالها الثلاثة من جانب الإدارة المحلية ، وعدم يأسها حينما توجهت للوحدة المحلية طالبة التعويض بمبلغ يعينها على الحياة فكان ردهم: خدى التعويض من صاحب المحل اللى مات!. لكنها أصرت وواصلت التمسك بحقها ولم تكتف بإبعاد مدير إدارة الرخص بالوحدة المحلية لمركز ومدينة رشيد ومدير مكتب الأمن الصناعى ومدير مكتب القوى العاملة، دون تعويضها بأى شيء، وقدمت الزوجة للقاضى حافظة مستندات عن أسباب الانفجار، وردت المحليات بمذكرة دفاع طلبت فيها رفض الدعوى تأسيسا على أن المحل كان يعمل فى غير أوقات العمل الرسمية وبعيدا فى توقيته عن رقابة الوحدة المحلية، إلى أن أصدرت المحكمة برئاسة القاضى خفاجى حكمها الذى انتصر لمصلحة الزوجة وأطفالها عن فقدان الزوج بسبب حوادث المحال الخطيرة دون ترخيص!.

لكن الأبعاد الحضارية للحكم لا تقل عن الأبعاد الإنسانية، منها عدم الاستسلام لمبادئ مملكة الفساد للركب كأمر واقع، بل مسئولية الإدارة المحلية إغلاق المحال المقلقة للراحة والخطيرة، وأن عمل المحليات ميدانى يستلزم نزول المختص إلى أماكن عمله، وأن حماية أمن المواطنين وسلامتهم هما وظيفة الحكومة، خاصة أن المشرع فى سبيل غلق المحال منح موظفى إدارة الرخص الذين يندبهم الوزير المختص صفة مأمورى الضبط القضائى فى إثبات الجرائم المخالفة لأحكام القانون، ومسئولية كل إدارة التحقق من اشتراطات الأمان لإقامة هذه المحال وسط المساكن خاصة ما يشكل منها خطراً على الصحة أو الأمن العام، أتمنى أن يفسر هذا المبدأ القانونى لمصلحة ضحايا فساد المسئولين عن المباني، والعقود المزورة أو الماء الملوث أو تجاوزات السكة الحديد والمزلقانات، أو ضحايا مافيا المبانى المخالفة دون ترخيص!.


لمزيد من مقالات أنور عبد اللطيف

رابط دائم: