رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حضرة الناظر.. والانتقال إلى الديمقراطية

كان د. على الدين هلال عالما سياسيا لا يقل عن نظرائه الغربيين، ناظرا بحق للمدرسة العربية فى العلوم السياسية. ولأننى ممن يضعون أرباب العلم والفكر والفن، الذين يبحثون عن الحقيقة، ويرسمون أفق المعنى، ويكشفون عن الجمال، فى مرتبة تسمو كثيرا على أرباب السلطة، طلاب النفوذ ولو على حساب الحق أو الحقيقة، لم يرقنى اشتغاله بالسلطة، خصوصا قبوله منصب وزير الرياضة، فالأكاديمى المثقف وعالم السياسة، يصلح وزيرا طبيعيا للإعلام ومنطقيا للثقافة، وممكنا للخارجية، أما اختياره للرياضة فبدا لى محاولة لإفشاله من قبل نظام لا يقدر علمه، أو مراكز قوى أرادت أن تحرجه، وهو ما حدث بعد قليل فتأكدت مخاوفى. كانت علاقتى به أبوية، أذهب إليه كطفل شقى كلما وقعت فى مشكلة. كانت مشكلاتى صغيرة فى البداية، بعض أساتذتى الذين يضيقون برغبتى فى الحوار فيسحبون منى الكارنيه، ويحرموننى من محاضرتهم، يستعيده لى مع وعد بالالتزام، لم أف به أبدا، ولم يضايقه ذلك. أحد أمناء المكتبة يضيق بدخولى، حيث يلتف الأصدقاء من دفعات مختلفة لتبدأ ندوة صغيرة يعلو فيها النقاش ويشوش على الحاضرين، فيدعونى للتوقف والمغادرة حتى أطفأ النور ذات مرة، فأشكوه إليه. لكن المشكلة الكبرى وقعت بعد تخرجى، عندما تورطت فى أزمة مع جهة حكومية كادت تسد أفق المستقبل. لم أجد سواه، بعد الله، فكان عند حسن ظنى، لم يهدأ حتى تجاوزت الأزمة، ولعلى لم ولن أنسى قوله لكل من يخاطبه حولها: صلاح مثل بهاء ابنى. ولهذا كله لم أتردد فى الإفصاح له عن رأيى فى تجربته السياسية، وكان يتقبله منى، حتى عندما أعلنته أمام جمع من أصدقائه وتلامذته فى بلد عربى، عارضونى جميعا إلا هو، وربما ندمت بعدها على رذالتي!.

لم أحزن لخروجه من الوزارة، بل سعدت بعودته للبحث والتأليف، ثم الكتابة الأسبوعية فى الأهرام. ورغم أن تاريخه العلمى يزخر بأعمال رائدة، خصوصا حول النظامين: السياسى المصرى، والإقليمى العربى، فإن كتابه الأخير الانتقال إلى الديمقراطية، الذى بلغ القائمة القصيرة لجائزة زايد، يبدو عملا رائقا، استجمع فيه كل خبراته العلمية ومهاراته اللغوية ليقدم لنا فى حيز رشيق لوحة تشكيلية مبهرة تعج بخبرات التحول الديمقراطى، التى صنعت فى العقود الثلاثة الماضية «ثورة ديمقراطية عالمية» هيمنت على غالبية الدول، مقارنة ببداية القرن العشرين، حيث لم يكن هناك سوى 22 دولة ديمقراطية، وبعام 1942م عندما تقلص عدد الدول الديمقراطية إلى 12 دولة بفعل تأثيرات الحربين الكبريين، قبل أن يزداد إلى 36 مطلع الستينيات، ثم إلى 60 دولة مطلع الثمانينيات، عقب التحولات فى جنوب أوروبا: إسبانيا والبرتغال واليونان فضلا عن البرازيل فى أمريكا اللاتينية، قبل أن تصير الأغلبية ديمقراطية عقب انهيار الشيوعية وتفكك الكتلة الشرقية، حتى بات هناك 113 دولة ديمقراطية من بين 193 فى عام 2013م.

يتحدث المؤلف أولا عن الاتجاهات النظرية فى تفسير نشأة الديمقراطية، خصوصا اتجاه التحديث، السائد فى الأدبيات الغربية، وفحواه أن متوالية التعليم والتصنيع والتحضر هى أساس التحول الديمقراطى، لكونها تصنع أناسا تجاوزوا الحاجات الأساسية وباتوا يتطلعون للقيم المعنوية كالحرية الفردية والحق فى الكرامة الإنسانية. إنه الفهم الذى سماه هيجل الحاجة إلى نيل التقدير والاعتراف، لكن د. على يرجعه إلى كتاب أستاذ السياسة سيمور مارتن ليبست الرجل السياسى الذى ربط بين التحديث والديمقراطية. وكذلك إلى أساتذة الاجتماع والسياسة الأمريكيين: جيمس كولمان، وكيث بول فى جامعة كارولينا الشمالية وروبرت جاكمان بجامعة كاليفورنيا. بالقطع كان ثمة نقد لهذا الاتجاه من قبل علماء آخرين رفضوا العلاقة الخطية البسيطة بين التحديث والديمقراطية، وأكدوا دور عوامل وسيطة: ثقافية واجتماعية تحدد مدى نجاعتها، تتعلق بالقيم السائدة، وطبيعة المؤسسات القائمة، وعمق الانقسامات الدينية والعرقية.

وفى فصل آخر يميز المؤلف بين عمليتي: الانتقال إلى الديمقراطية، وتعزيز الديمقراطية. يعنى الانتقال تجاوز البنى التسلطية والأحادية القائمة على احتكار السلطة، إلى بنى تعددية ومجال عام مفتوح وإمكانية فعلية لتداول السلطة. أما التعزيز فيعنى إدامة الديمقراطية ورسوخ مؤسساتها وقدرتها على التجدد من داخلها، وهى قضية محورية للديمقراطيات الناشئة قد تسهم، فى اعتقادنا، فى إنارة الموقف الراهن سواء فى مصر. أو فى تونس التى تعانى تراكم أزمات البطالة والصحة بفعل الانقسام بين مكونات السلطة وعجزها عن تقديم حلول جذرية للمشكلات القائمة. ثم يعرض د. هلال بعض متطلبات التعزيز من قبيل التعاون بين الفاعلين الأساسيين فى المجال العام، وإدراك أرباب السلطة لحدودها وعدم التغول فى ممارستها خارج الدستور والقوانين، وضبط العلاقات العسكرية ـ المدنية، بحيث تخضع المؤسسة العسكرية للحكومة المدنية المنتخبة مهما يكن دورها التاريخى.

ويتوقف المؤلف تاليا عند أنماط الديمقراطية، خصوصا الاجتماعية التى يراها البعض، وأنا منهم، أقدر على تحمل عبء المستقبل البشرى، لكونها تمثل جسرا يجمع بين الليبرالية التى تركز على حرية الفرد المطلقة أمام القانون فقط، وبين النزعات الاشتراكية التى تركز على كيفية تحسين ظروفه الاقتصادية والاجتماعية دونما اكتراث بحريته الشخصية، وذلك عبر سياسات عملية من قبيل التنظيم الاقتصادى المختلط، ونظام الضمانات الاجتماعية، والضرائب التصاعدية، والتجارة العادلة. ويتوقف أخيرا عند التحولات التكنولوجية التى جعلت المواطن كائنا اتصاليا يتمتع بالمساواة التفاعلية مع الآخرين. ورغم أن القدرة التكنولوجية هذه تبدو وسيلة متاحة للجميع: أطراف السلطة وجماعات المعارضة، فإنها فى اعتقاده تصب فى قناة الجماعات الراغبة فى تغيير الأمر الواقع، ما يعنى أنها فى الأخير تكنولوجيا للحرية سوف تفرض نفسها على أشكال الممارسة الديمقراطية.

[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: