رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

السيسى وحلم يستحق الترحيب

فكرة (مُعبِّرة) انطلقت على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي في إطار كلمته أمس الأول خلال فعاليات احتفالية (أبواب الخير)؛ ولقد كان لتلك الفكرة أثر الضياء في قلبي كضي القمر الوبيص في حَلْكِ الليلِ البهيم؛ فَلَكَم تدلى لساني منذ سنوات وعقود؛ وأنا أنادي وأنادي بحتمية الاتجاه نحو توطين الناس في أراضٍ لا غرض لها أو لهم منها سوى الزراعة بجميع الأنشطة المصاحبة والملازمة لها؛ وذلك في إطار مشروع وطني زراعي ضخم كبير؛ من شأنه أن يوفر السكن الكريم لملايين من البشر؛ ثم إذا به يتحول شيئًا فشيئًا إلى منظومة اقتصادية هائلة التروس، لن توفر الغذاء والمرعى فحسب، وإنما ستغوص بالأسعار غوصًا إلى مستوى الحضيض؛ من بعد أن تتحول هذه المزارع إلى متكأ اكتفاء ذاتي مستمر للأُسر التي تقطنها.. ثم إذا بها في ذات يوم بعد يوم تفيض!.

ولقد ذكرنا من ذي قبل أن المدن في علوم جغرافيا السكان لا يمكن أن تولد حيَّةً مسكونةً مأهولةً مكتظةً بين عشيةٍ وضحاها ومن تلقاء نفسها؛ وإنما تنمو المدن رويدا رويدا من آصِرةِ الريف؛ أما ما دون ذلك فهو لا يعدو أن يكون، من وجهة نظري، مجرد تكرار خرساني باهت المرأى قلما يفيد؛ فذاك سَيْغُ تلك من سائر المدن، وتلك سَيْغُ ذاك، في منظومة بناءٍ ظاهرها توهج.. وباطنها بغيض!. ولقد سبقت الصين، بحكم ضخامة تعداد أهلها، دول العالم قاطبة في عدد المدن الجديدة التي شيدتها واحدة تلو الأخرى في كل صوبٍ قريبا كان أو بعيدا؛ وكان سعيها مشكورا وهي تجاهد من أجل أن تستوعب فيضًا سكانيًا نراه نحن وكذا هم يرونه في صميم جوهره شديدا؛ فما لبث الناس هناك إلا أن استوحشوا تِلكُم المدن فعزفوا عن السكن فيها عزوف المَريد؛ فتحولت ديارها إلى أزمة أشباح سُكنى؛ وتحولت مبانيها إلى كيانٍ خديج.

ولقد لفت انتباهي أن رأيت الرئيس يوم الحفل يلتفت نحو التنفيذيين من حوله في معرض حديثه للناس؛ فيوجه (بحُلمٍ) قوامه مشروع زراعي تقوم فيه الدولة بإعداد الأراضي للمستصلحين لعلهم يستوطنون؛ ولربما مر الإعلام على هذا التوجيه مرور الكرامِ؛ ولكنني كنت لوميض هذا التوجيه بمثابة مترقبٍ متلقفٍ عتيد !.

( الصندوق لو عنده قدرة مالية كبيرة، ممكن ييجي علينا وقت من الأوقات نجهز أراضي زراعية.. نجهزها كاملة؛ ونجيب أُسر نقول لهم خذ الأرض دي واشتغل .. وابقى سدد جزء من ثمنها من غير فوائد أو كلام من هذا القبيل).. هكذا جاء منطوق ما قاله الرئيس السيسي بالعامية المصرية حرفيًا في كلمته خلال الاحتفال؛ وهذا هو ما اعتبرته من جانبي لؤلؤة التاج في جل ما جرى على أهميته في ذاك اليوم؛ ومربط الحُلم الذي لو كنتم تعلمون عنيد!.

فلا تنس أن هذا الرجل قد وقف في ذات يوم، وهو لم يزل وقتها خارج حلبة السباق الرئاسي تماما؛ بل لم يكن ليُساءَل عما يعصف بذهنه بشأن بلاده من حُلمٍ سديد؛ ولكنه حمل على عاتقه وقتئذٍ (ومنذئذٍ) مشقة أن يعاهد ملايين الناس بأن يروا دولتهم في المكانة العليا الرفيعة التي تستحقها ويستحقونها في غد ليس ببعيد؛ فما بالك وهو (منوط به تفسير من كان غامضا؛ وتفصيله إن كان في الأمر إجمالُ).. أوليس حلمه يستوجب الترحيب؟.

ولقد مرت السنون علينا كوميض برق مسرعةً، وتلاطمت الأمواجُ في غمار بحارٍ واصبةٍ من حول سفينتنا المستهدفة الصابرة الصامدة ذات البأس التليد؛ و لكم تلبدت السماءُ من فوق رؤوسنا بغيومٍ تلو غيوم تلو غيوم؛ حتى تهارَط الخصوم من حولنا أيهم يطعن مصر أولًا بخنجره المنصول الكنود؛ ولكن مسيرة مصر أبت إلا أن تسير مسرعةً في طريقها مع ربَّانها غير عابئة؛ ولسان حال الذئاب اللاهثة من ورائها يكاد يُفصح: هَدادَيْكِ مصر، ما عدنا نحتمل الركوض!.

إن أقلَّ ما يمكن أن نصف به مجتمعات هذا الحُلم الجميل الوليد هو أنها ستكون نواة تجمعات بشر ذوي فائدة واضحة المعالم إن هو الحلم تحقق؛ فكثيرا ما اشتاقت أرض مصر لمثلها عِوَض مجتمعات السكن والفراغ (والإزعاج) والاستهلاك المبيد؛ فليس من بين جل مجتمعات المدن عندنا ما يمكن أن نتوسم فيه (ولو على سبيل المجاملة) إضافة إنتاجية تميزه؛ أو ثمة تخصص يعتد به؛ أو يبرر وجود الناس في هذا التجمع أو ذاك، إلا من رحم ربي من مدائن علم فيها كل أناس مشربهم؛ فتخصصوا في نشاط إنساني ذي ملامح محددة داخل سياق المعزوفة الاقتصادية المرجوة للبلاد، بعيدا عن مجتمعات المبيت إذا (سجى الليل)؛ والتسكع بالشوارع (عندما يأتي المساء)؛ وبالمكاتب في الصباح لقضاء (ما تيسر) من أعمال المواطنين؛ كل هذا بينما لا يزال وطننا يئن تحت وطأة عَوَز الكسالى؛ وهو الذي يملك كل هذه الثروة البشرية الهائلة ويباهي بها بين الأمم؛ وهو الذي يحتاج في المقابل وفي كل لحظة إلى نتاج عمل حقيقي؛ وليس طنين عُمَّالٍ وأشباه عاملين!.

وكفى في هذا السياق بالعاصمة الإدارية الجديدة فخرا اسمها الدال على المغزى من وراء إنشائها؛ وكفى ما توحي به مبانيها الوظيفية الشامخة المدروسة من إيحاءات وهواجس في نفوس الحاقدين؛ فلعلها من بين مدن قليلة في هذا الوطن تحمل هدفا جليا بنيت من أجله؛ ولا تعزية لمدن كثيرة قديمة تاه مغزاها، فتاه مغزى القاطنين!.

وأما النيل الذي يخشى الناسُ اليوم انحسار مائه، فهو النيل ذاته الذي كان ولا يزال يتوجب أن يحوله شعب مصر مع مطلع كل صبحٍ إلى وقود إنتاج زراعي مهيب؛ وليس مصرفًا صناعيا أو مرتعًا لنزهات العاشقات والعاشقين؛ فالزرع حين يهمله المُزارعُ عامدا، سرعان ما يزهده الماء معاتبًا؛ ويسوقه الذي أوجده من فوق سبع سماوات طباقًا إلى زرع آخر ربما يفهم تمام مقصده ..(فتبارك الله أحسن الخالقين)!.


لمزيد من مقالات أشرف عبدالمنعم

رابط دائم: