رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

القاهرة.. بلجراد.. نيودلهى

تستعد مدينة بلجراد فى الوقت الحالى للاحتفال بالذكرى الستين لتأسيس حركة عدم الانحياز التى إنعقد أول مؤتمر قمة لها عام ١٩٦١ فى ذات المدينة، وذلك باستضافة مؤتمر القمة العشرين للحركة يومى ١١ و١٢ أكتوبر المقبل بحضور ٣٥ رئيس دولة و١٢٠ وزير خارجية، حسبما صرح أخيرا وزير الخارجية الصربى نيكولا سيلاكوفيتش، فهل مازال لحركة عدم الانحياز أهمية على الساحة الدولية رغم المتغيرات الدولية التى شهدتها الستون عاما الأخيرة؟ لقد أوضح سيلاكوفيتش فى تصريحاته أنه قام بزيارة معظم الدول المدعوة للمؤتمر وأن الغالبية العظمى منها تحمست لحضور القمة المرتقبة، مما يشير إلى أن دول العالم الثالث مازالت ترى جدوى من الحركة التى تصور البعض أن زمانها قد مضى، فهل تجد هذه الدول فى انضمامها للحركة تأكيدا لاستقلاليتها إزاء شبكة الاستقطابات الدولية الحالية والتى لم تعد مقصورة على قطبين كما كان الحال خلال فترة الحرب الباردة؟ لقد أصبح العالم الآن متعدد الأطراف بتعاظم الدور الصينى على الساحة الدولية من ناحية وبروز الاتحاد الأوروبى ككتلة يزداد تمايزها عن الولايات المتحدة مع مرور الوقت بالإضافة لعدد من الأقطاب الثانوية الصاعدة إذا جاز التعبير وأبرزها اليابان.

لقد بنت شعوب الدول التى انضوت تحت لواء حركة عدم الانحياز والتى تضم ١٢٠ دولة، بالإضافة لعشرين دولة أخرى تحمل صفة مراقب، وعشر منظمات، آمالا عريضة لتحقيق طموحاتها الوطنية التى تمثلت فى تأييد حق تقرير المصير، والاستقلال، والسيادة الوطنية، والسلامة الإقليمية، ومناهضة الفصل العنصرى، وعدم الانضمام للأحلاف العسكرية متعددة الأطراف، والكفاح ضد الاستعمار ورفض الاحتلال، ونزع السلاح، ورفض استخدام القوة أو التهديد باستخدامها فى النزاعات الدولية، وإضفاء الطابع الديمقراطى على العلاقات الدولية، وإعادة هيكلة النظام الاقتصادى الدولى لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول الأعضاء، وقد انبثقت الحركة من خلال مؤتمر باندونج الأفرو أسيوى عام ١٩٥٥ بقيادة الآباء المؤسسين للحركة وهم الرئيس المصرى جمال عبدالناصر ورئيس الوزراء الهندى جواهر لال نهرو والرئيس اليوجوسلافى جوزيف بروز تيتو، وتم الإعلان فى ذلك المؤتمر عن (مباديء باندونج) التى حددت أهداف الحركة وصار الالتزام بتحقيقها هو معيار العضوية لجميع دول العالم الثالث. وقد حظيت حركة عدم الانحياز بدفعة قوية خلال الدورة الـ ١٥ للأمم المتحدة عام ١٩٦٠ التى شهدت انضمام ١٧ دولة جديدة من القارتين الأفريقية والآسيوية لعضوية الحركة، وفى العام التالى عقدت أول قمة لدول عدم الانحياز فى العاصمة اليوجوسلافية بلجراد بعد المؤتمر التحضيرى الذى عقد قبلها فى القاهرة.

وربما كان المتغير الأكبر الذى شهدناه منذ تأسيس حركة عدم الانحياز هو غياب الصراع الإيديولوجى الذى كان سائدا فى أواسط القرن الماضى وكان المحرك الأساسى للحرب الباردة التى قامت حركة عدم الانحياز لمواجهتها، فقد اتجه العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتى إلى اقتصاديات السوق وتشابكت اقتصادات الدول ما بين الشرق والغرب، وربما كان التبادل التجارى بين الصين والولايات المتحدة خير مثال لذلك، لكن الحقيقة أن الصراع السياسى بين الدول الكبرى مازال قائما رغم زوال البعد الإيديولوجى، والسعى نحو فرض الهيمنة السياسية لكل منها على دول العالم الثالث مازال يجرى على قدم وساق، بل لعلنا نلفت النظر للمتغير الخطير الذى شهدناه خلال العقود الأخيرة وهو دخول العنصر العسكرى الذى ظل خارج المعادلة طوال سنوات الحرب الباردة، وهو ما حول تلك الحرب إلى حرب ساخنة استخدمت فيها ترسانة الأسلحة لمختلف القوى الدولية وإن كان فى بعض الأحيان بالوكالة كما فى أفغانستان وسوريا وليبيا، وفى أحيان أخرى بشكل مباشر كما حدث فى الغزو الأمريكى للعراق عام ٢٠٠٣، وصار هناك الآن صراع واضح بين الدول الكبرى من أجل زيادة وجودها العسكرى بإقامة القواعد العسكرية أو بشن الحروب، فأصبح الصراع الدولى الآن أكثر عنفا وأشد حدة، ومن ثم أصبحت الحاجة لتفعيل حركة عدم الانحياز بتوجهاتها المناهضة لذلك الوضع أكثر إلحاحا من ذى قبل.

إن حركة عدم الانحياز تضم ثلثى دول العالم، وقد كان لمصر دور رائد فى تأسيسها وكان آخر مؤتمر قمة للحركة استضافته عام ٢٠٠٩ فى شرم الشيخ، وقد تكون مصر هى المؤهلة الآن بحكم الاستقرار السياسى الذى تتمتع به وسط حالة الفوضى التى تعم المنطقة لأن تقود الحركة إلى آفاق جديدة تلبى احتياجات المرحلة الحالية كما قادتها فى المرحلة السابقة. إن بلجراد تتطلع الآن لاستعادة دورها القيادى فى حركة عدم الانحياز من خلال مؤتمر القمة الذى دعت إليه فى الشهر المقبل، بينما تتزايد على الجانب الآخر أبعاد الدور الدولى للهند التى هى الضلع الثالث لثالوث القيادة المؤسسة للحركة، فهل آن الأوان أن تستعيد مصر الدور الدولى الذى تؤهلها ظروفها الحالية للقيام به من خلال موقعها القيادى داخل حركة عدم الانحياز التى هى أكبر تجمع دولى فى العالم بعد الأمم المتحدة؟ إن قمة بلجراد القادمة تمثل فرصة سانحة لاستعادة ذلك الدور الذى أهملناه طوال العقود الأخيرة ودفعنا ثمن ذلك الإهمال فى أفريقيا كما فى آسيا.


لمزيد من مقالات محمد سلماوى

رابط دائم: