رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«سارينــة» الإسعاف.. حكايـات على خط «الإنقــاذ»

تحقيق ــ راندا يحيى يوسف

رئيس قطاع العمليات:

► نتلقى 63 ألف بلاغ على التليفون ونعانى الزحام المرورى وسلوكيات بعض قائدى المركبات

► ننتظر موافقة مجلس النواب لضم العاملين لقانون بدل المهن الطبية

 

 

المسعفون رجال المهام الإنسانية الصعبة الذين يعملون على إنقاذ أرواح بين الحياة والموت وقد تكون مهمة إنقاذ بعضهم شبه مستحيلة وهو ما حكاه لنا بعض رجال الإسعاف الذين قضينا معهم يومين كاملين استمعنا فيهما إلى قصص من واقع عملهم ورأينا فيها بطولات تستحق الذكر، ليعرف هؤلاء أولا أن هناك من يقدر دورهم الإنسانى, وليعرف القارئ أن هناك داخل سيارة الإسعاف التى يراها فى الطريق أو يحتاجها وقت الضيق أبطالا يعتبرون البطولة عملا روتينيا تعودوا عليه دون ضجيج، لكن عندما تسرع لإغاثة ملهوف أو تستجيب لصرخة ألم من مستغيث.. فتلك مهمة ليست بالهينة فهى تحتاج بجانب الدراسة والخبرة إلى الضمير الحى والوازع الانسانى الذى يهبه الله لبعض البشر.. فلا معنى للحياة دون أن يكون للمرء رسالة يؤمن بها ويؤديها على أكمل وجه لخدمة نفسه والآخرين.

فى اليوم الأول استمعنا لحكايات بعض المسعفين وآراء المواطنين عنهم، وفى الثانى قمنا بجولة داخل مقر الهيئة العامة للإسعاف.

يحكى إسلام المسعف بالقاهرة تفاصيل حادثة يصفها بأنها من أصعب الحوادث التى مرت به، قائلا : تلقيت بلاغا عن إصابة عامل بناء فى مبنى تحت الإنشاء لأكتشف بعد وصولى أنه سقط على عمود واخترقت الأسياخ الحديدية جسده من كل جانب فى مشهد يدمى القلوب، ولأن الحالة لا تحتمل التأخير ويصعب نقلها لأنها تحتاج لفريق إنقاذ متكامل ليتمكن من نزع الأسياخ المعدنية من جسد المصاب دون أن يقلل من فرص النجاة.. لم أجد أمامى خيارا سوى الاستعانة بأكبر عدد من الأفراد الموجودين بالموقع، وقررت عمل لجنة لإدارة الأزمة من موقع الحادث، فقسمت العمل لفريقين أحدهما يقوم بتقطيع الأسياخ بواسطة «صاروخ» لأن نزعها سيؤدى الى تدهور الحالة ونزف كميات كبيرة من الدماء مما يهدد حياته بالخطر، والآخر يتابع حالة المصاب ودرجة وعيه والحفاظ على تبريد الجسم باستمرار، لأن هناك حرارة عالية تتولد مكان قطع الأسياخ، وبعد لحظات مرت كأنها سنوات استطعنا نزع الأسياخ ونقلنا المصاب للمستشفى بأمان، وأكد الأطباء المشرفون على الحالة أن الإنقاذ المبدئى كان فى محله، لأن نزع الأسياخ مرة واحدة كان به مخاطرة كبيرة من الممكن أن يكون ثمنها حياة المصاب، وكانت سعادتى لا توصف عندما رأيت المصاب بعد أيام وهو يغادر المستشفى على قدميه.

بين السماء والأرض

حكاية أخرى جاءت على لسان مصطفى يروى فيها معايشته لحالة مصاب داخل ناطحة سحاب تحت الإنشاء بالدور الأخير فيقول : أسرعت بحمل حقيبتى وصعدت على النقالة، لأفاجأ بمشهد عامل ملقى على ظهره ويصرخ من شدة الألم، حيث كانت الإصابة فى عموده الفقرى، فكنت حريصاً على ألا أجعله يتحرك فكل حركة يمكن أن تسبب له عجزا كليا لبقية حياته، فقمت بتأمين المصاب طبيا وتثبيت مكان الإصابة، وكانت المشكلة أن أجد طريقة لإنزاله من ناطحة السحاب علما بأن وزنه يزيد على 100 كجم، مع وجود درجة ميل فى السلم لأن البرج لا يزال تحت الإنشاء نظرت حولى فوجدت رافعة تنقل معدات البناء، فتنفست الصعداء وذهبت لمسئول السلامة والصحة المهنية وشرحت له الوضع ونسقت معه لنزول المصاب لعربة الإسعاف بواسطة ونش.

من سجلات المواطنين

ومن حكايات المسعفين إلى دفاتر بعض المصابين والمرضى الذين أصروا على أن يسجلوا شهادتهم عن مواقف كان الأبطال فيها فرق الإنقاذ المتنقلة. يقول أحمد عبد التواب عرفت قيمة رجال الإسعاف فى موقف لن أنساه ما حييت، كنت فى محطة مصر يوم وقفة عيد الأضحى، وفوجئت بسقوط شاب مغشيا عليه ويعانى من ضيق شديد فى التنفس وكان برفقته والده الطاعن فى السن وهو قليل الحيلة ولا يعرف كيف يتصرف فى القاهرة، وتمكنت من توفير جهاز طبى يساعده بعض الشىء على التنفس، ثم نقلناه لمستشفى الدمرداش، وعندما ذهبنا إلى هيئة الإسعاف تعاونوا بشكل لم أتوقعه ولم يستغرق الأمر ساعة واحدة حتى كانت سيارة مجهزة لنقله لمحافظته بالصعيد لقضاء العيد معهم، وأتصور فرحة أم الشاب المريض التى لم تره منذ شهور، فلا توجد كلمات توفيهم حقهم.وتصفهم والدة أحد المتعافين من كورونا بأنهم رجال يواجهون الخطر يوميا من أجل أداء واجبهم فى إنقاذ أرواح المواطنين فى أثناء عملهم ليلا ونهاراً دون كلل أو ملل، على الرغم من المخاطر والصعاب التى يتعرضون لها والتى تصل أحيانًا لتهديد حياتهم، فهم أبطال الظل فى أصعب الأوقات، وتستطرد: يكفى نظرة بسيطة على أسماء شهداء مصر فى حربها على الإرهاب الغاشم، وسنجد أن لرجال الإسعاف نصيبا لا ينكر من الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم مخلصين لبلدهم، وحينها سنعرف أنهم يقومون بدورهم كاملا فى الدفاع عن الوطن ومقدراته.

حادث قطارى سوهاج

خلال حادث تصادم قطارى سوهاج تقابلت مع سعيد المسعف بمستشفى سوهاج العام، الذى أخبرنى وقتها وهو جالس على الأرض من فرط التعب وفى حالة إعياء شديدة أنه قام بنقل ثلاثة مصابين وجثة أحد الضحايا إلى مستشفى طهطا، ثم عاد مرة أخرى لموقع التصادم لمعاونة أفراد الإسعاف فى نقل باقى ضحايا الحادث، ويضيف : بعد إبلاغنا بالحادث تم تجهيز مخازن الطوارئ والمستلزمات الطبية من أكياس جثث والقطن والمطهرات لاستخدامها فى الإسعافات الأولية وعمليات إنقاذ ركاب القطارين، وظللت مع زملائى نتابع عمليات نقل الضحايا حتى جاءت الأوناش لرفع العربات المصطدمة من فوق شريط السكك الحديدية.

أما صموئيل الذى كان من المسعفين فى مكان الحادث فقال: أصعب ما واجهنى فى مهمتى هو تخليص الأفراد العالقين بين عربات القطار، لأن كمية الحديد المنصهر من أثر التصادم كانت مهولة، ويجب الحرص الشديد عند رفع الأنقاض، وقد وجدنا عشرات المصابين بإصابات خطيرة وجروح وأشلاء جثث ملقاة على جانبى السكك الحديدية جراء الحادث وتم التعامل مع المصابين لسرعة إنقاذهم، وتركنا الجثث لمسعفين آخرين لنقلهما إلى مشارح المستشفيات القريبة، وبعد التصادم بدقائق نقلت اثنين من المصابين إلى مستشفى سوهاج التعليمى أحدهما يعانى من بتر فى قدمه والآخر مصاب بجروح وكدمات واشتباه بارتجاج فى المخ، وعند الوصول للمستشفى كان فى استقبالنا الطاقم الطبى ومسئولو الأمن لإسعاف المصابين، ويضيف لقد نقلنا نحو مائة حالة ما بين متوفى وجريح إلى مستشفيات طهطا والمراغة وسوهاج التعليمى وسوهاج العام والمستشفى الجامعى بسوهاج، واستعنا بأكثر من ٩٣ سيارة إسعاف و٢٠٠ مسعف تقريبًا، حتى إن بعض المسعفين قطعوا إجازاتهم للمشاركة فى أعمال إنقاذ ضحايا الحادث.

جولة داخل هيئة الإسعاف

فى اليوم الثانى قمنا بجولة داخل الهيئة العامة للإسعاف بالقاهرة، ذهبنا ليس بحثا عن عملهم الذى يعلن عن نفسه على أرض الواقع ولا يحتاج لدليل، وإنما سعياً للاقتراب من يومياتهم داخل غرف العمليات التى تدار بها المنظومة ككل، فتقوم بالتوجيه والإرشاد والتدريب لكل الأطقم الطبية كخلية نحل التقينا بالدكتور محمد جاد رئيس هيئة الإسعاف المصرية الذى بدأ حديثه بالتأكيد على أن هيئة الإسعاف المصرية تشهد حراكا غير تقليدى يهدف لمواكبة جهود التنمية التى تقودها القيادة السياسية وتمتد لكل ربوع مصر، مؤكداً أن هيئة الإسعاف المصرية تشهد دعماً متواصلاً من وزارة الصحة يتمثل فى تذليل جميع العقبات والمعوقات التى قد تعرقل خطة الدولة التنموية، منها التعاقد بشكل عاجل لشراء (1000) سيارة إسعاف جديدة، ستصل أولى الدفعات منها فى غضون الشهرين القادمين، فضلا عن إنشاء (122) وحدة إسعاف جديدة وتطوير (232) وحدة اسعاف قديمة فى 20 محافظة ضمن مشروع حياة كريمة.

وأضاف أن هيئة الإسعاف المصرية تمتلك حاليا (3000) سيارة إسعاف حديثة مجهزة طبيا للتعامل مع أصعب الحالات الطبية الطارئة، ولكن يظل اعتزاز وفخر هيئة الإسعاف المصرية الأول هو بكوادرها البشرية وأطقمها الاسعافية لذا يتم العمل بشكل دورى على تدريبهم على التعامل مع الحالات الطبية الطارئة وانتقاء الكوادر البشرية المميزة للعمل كمشرفين لمعاونة وتيسير عمل الأطقم الإسعافية.

وفيما يخص الشبكة الوطنية الموحدة لخدمات الطوارئ والسلامة العامة أوضح د. جاد أن فلسفة تلك المنظومة تقوم على التعاون بين جميع اجهزة ومؤسسات الدولة المعنية لمجابهة واحتواء أى أزمات او كوارث قد تواجهها، وتشارك هيئة الإسعاف المصرية بقوة فى ذلك المشروع ابتداء بمحافظة بورسعيد التى تمثل نموذجا استرشاديا استعدادا لتعميمه على باقى محافظات الجمهورية وتشمل المرحلة التالية والتى سيتم تدشينها خلال شهر أكتوبر المقبل محافظات «الاسماعيلية، السويس، جنوب سيناء والأقصر».

غرفة عمليات القاهرة الكبرى

انتقلنا بعد ذلك لغرفة عمليات القاهرة الكبرى واخبرنا د. أحمد العزب رئيس قطاع العمليات والتشغيل بهيئة الإسعاف المصرية أن الهيئة نجحت فى تغطية كل المحافظات اسعافياً عبر تدشين 27 فرعا بالمحافظات، وتم ميكنة نظم استدعاء سيارات الإسعاف وتسجيل البيانات وحفظها ومتابعة كل توقيتات تحركات سيارات الإسعاف عبر نظام (الكاد).

ويستكمل د. العزب مسترشداً بالقاهرة الكبرى التى تضم كلاً من محافظات «القاهرة، والجيزة، والقليوبية» واحياء «اكتوبر وحلوان» فتستقبل يومياً اكثر من 63 ألف بلاغ لطلب الإسعاف على الخط الساخن الخاص بالهيئة 123 الصحيح منها لا يتخطى حاجز 4000 بلاغ حقيقى والباقى أغلبه عبارة عن بلاغات كاذبة، لهذا استعانت الهيئة بشركة متخصصة فى تلقى المكالمات والعمل على تنقيتها واستبعاد الكاذب منها واعداد بيان مميكن يشمل كل البيانات الضرورية الخاصة بالمريض أو المصاب، وبناء عليه تتولى غرف التحكم الرئيسية توجيه أقرب سيارة لمكان الحالة أو المصاب والاسراع بنقله لأقرب مستشفى.

خدمة مجانية

ويؤكد د.العزب أن الخدمات الإسعافية الطارئة ومصابى الحوادث والتحويلات ما بين المستشفيات الحكومية يتم تقديمها للمواطن مجانا، اما الخدمات بأجر فهى الخاصة بنقل الحالات المرضية للسكن او لمراكز الأشعة فخدمة النقل تتكلف 125 جنيها فقط لو كانت فى ذات النطاق الجغرافى للحالة.

وفيما يخص معدلات وصول سيارات الإسعاف والإشكاليات التى تواجه رجال الإسعاف فتعتبر المعاكسات الهاتفية والزحام المرورى وبعض سلوكيات قائدى المركبات فى التعامل مع سيارة الإسعاف ابرز العراقيل لمهام الأطقم الإسعافية، لاسيما أن عنصر الوقت يمثل حدا فاصلاً فى أحيان كثيرة بين الحياة أو الموت، وبالرغم من ذلك فمازلنا قادرين على تحقيق معدلات وصول للمصابين والحالات الطارئة تتراوح بين 8 ــ 12 دقيقة فى أغلب الاوقات.

مطالب العاملين

تطرقنا مع رئيس قطاع العمليات للحديث عن مطالب المسعفين والعاملين بهيئة الاسعاف المصرية، وهل يتلقون جميع حقوقهم ام لهم آمال وطموحات مشروعة يحلمون بها، وعلى الرغم من ان البعض قد يرى أن هذا دورهم ومهمتهم الوظيفية، لكننا نتساءل معهم أين حقوقهم فى ظل هذا العمل الخطر؟ هل يحصلون على ما يستحقون أو حتى جزء منه ؟ هل يحصلون على بدل عدوى مناسب؟ أشياء كثيرة يجب التنبه إليها، لأن رجال الإسعاف فى قلب منظومة الأمن والأمان فى هذا الوطن.

يوضح د.العزب أن بيئة العمل الصحية تقتضى السعى للترقى المالى والتعليمى والادارى، وهى أمور نضعها كأولوية ونعمل عليها، وفيما يخص ملف التعليم بادرنا بإلحاق العناصر المتميزة من رجال الإسعاف للدراسة لنيل درجة «الدبلوم المهنى» للمسعفين، وبالنسبة للنواحى المالية والاجور فنحن على ثقة أن الدولة لن تبخل على أبنائها فى منظومة الاسعاف لنيل ما يستحقونه من تقدير مالى، وهناك خطوات جادة فى ذلك الشأن منها انتظار موافقة مجلس النواب لضم العاملين بهيئة الإسعاف لقانون 14 لسنة 2014 الخاص ببدل المهن الطبية وهناك ايضاً مشاورات مع وزارة المالية فى ذات الشان، وهناك لجنة لهيكلة الاجور تعمل على دراسة وهيكلة اجور العاملين فى ضوء اللوائح والاطر التى كفلها القانون. وفيما يخص الترقى الادارى فقد تم تصعيد 40 من بين الأطقم الإسعافية للعمل كمشرفين بعد خوضهم اختبارات موضوعية اتسمت بالشفافية.

الإسعاف النهرى

ولأن منظومة التدريب تشمل كوادر من المسعفين يعملون بالإسعاف النهرى؛ كانت محطتنا التالية من داخل أحد اللنشات لنرى عمل المنظومة على أرض الواقع، حيث تعمل فرق على إسعاف حالات الغرق أو إصابة الصيادين او نقل المصابين بحريا فى حالة الاختناقات المرورية الشديدة، وعبرنا داخل أحد اللنشات بالنيل الذى يربط الكثير من المناطق بعضها البعض، وعلمت من المسعفين على اللنش أن الهيئة تغطى المجرى الملاحى من القناطر الخيرية حتى أسوان، كما يشارك الإسعاف النهرى فى الاستجابة السريعة لحالات الطوارئ داخل الأماكن التى يتعذر على سيارات الإسعاف الوصول إليها كالجزر النيلية، فضلا عن تأمين كل الأنشطة الرياضية المائية والمراكب السياحية والكرنفالات والمؤتمرات بناء على طلب الجهات المنظمة.

تدريب الأطقم الطبية

بعد الجولة النيلية انتقلنا عبر ممر طويل للقاء د. إسلام عساف مدير إدارة الأزمات والطوارئ والعمليات المركزية ليحدثنا عن تدريب كل الطواقم الطبية وكيفية إكسابهم المهارة الفائقة التى رأيناها برا وبحرا، فأوضح أن الاهتمام المتنامى الذى توليه هيئة الإسعاف المصرية للمسعفين عبر التدريب المستمر، هو كلمة السر فى صقل مهاراتهم وكفاءتهم المهنية، فبالإضافة الى التدريب الشهرى المستمر، هناك مداومة على ارسال بعثات خارجية كل عام لليابان للاطلاع على احدث طرق الإسعافات، فضلاً عن تشجيع المسعفين على الحصول على درجة الزمالة المصرية. ولفت د. إسلام الى الشراكة أخيرا مع أكاديمية الأميرة فاطمة للتدريب المهنى، وهو ما يعد إنجازاً لكتائب الإسعاف المصرية الذين يقومون بأعمال بطولية ويؤدون واجبهم فى صمت لا يشعر بهم إلا من يحتاج إليهم فى لحظات الألم والمعاناة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق