رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل ينتصر الجمال فى أرض لا تنبت الزهور؟

أحمد سراج

تعد مسرحية «أرض لا تنبت الزهور» الزفرة الأخيرة لمحمود دياب (25 من أغسطس 1932 - أكتوبر 1983)، قاضى المسرح العربى، ومجدده. تجاوزت حدود تجديد دياب مصر إلى البلاد العربية، وبخاصة سوريا، وهى أكثر أعماله تمثيلا، وهى من أهم اعماله، وفيها يطرح لنا سببا لاستحالة السلام فى أرض الثأر والكراهية.

 

ولدياب عدد آخر من الأعمال، حيث حازت مسرحيته (البيت القديم، 1963) على جائزة المجمع اللغوى المصرى وقدمت بمصر والسودان والعراق وسوريا، ثم حازت مسرحية (الزوبعة،1964) جائزة منظمة اليونسكو لأحسن كاتب مسرحى عربى، وترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وبعدها مسرحية (الغريب، 1965) قدمها المسرح القومى المصرى ومسرحيتا («الضيوف» و»البيانو»، 1965) اللتين قدمتا بمصر وسوريا وبعض الدول العربية، ثم مسرحيات (ليالى الحصاد،1967)، (الهلافيت، 1968)، (باب الفتوح، 1970)، (الرجل الطيب فى ثلاث حكايات،1970) وهى «رجال لهم رؤوس»، «الغرباء لا يشربون القهوة»، « اضبطوا الساعات» وقد قدمت «الغرباء لا يشربون القهوة» بعد ترجمتها للإنجليزية على المسرح بلندن، و(رسول من قرية تميرة، 1974) و(أهل الكهف، عام1974) و(قصر الشهبندر، 1974) وأخيرا مسرحية (أرض لا تنبت الزهور، 1979).

فى «أرض لا تنبت الزهور»؛ يعود دياب إلى حادثة شهيرة قبل الإسلام؛ وهى قيام الزباء (ملكة تدمر) بقتل جذيمة بن الأبرش (ملك الحيرة) بخدعة ماكرة ثأرا لمقتل أبيها على يديه، ثم قيام عمرو بن معدى، وريث جذيمة، ووزيره قصير بتدبير مكيدة مضادة، ولكن الزباء تقتل نفسها بالسم قبل أن يقتلها عمرو مطلقة مثلها الشهير: «بيدى لا بيد عمرو». يتخذ دياب من هذه الحادثة قناعا معبرا عن حكمة: «إن أرضا تروى بالحقد، لا تنبت فيها زهرة حب» هكذا تنطقها الزباء قبل أن تقتل نفسها، وهكذا يبرزها محمود نسيم فى مقدمته النقدية المهمة.

تتكون المسرحية، الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، من فصول ثلاثة، تبدأ بزبداى (العاشق الأول) ينتظر الملكة ليخبرها بأن جذيمة جاهز للعرس الدامى، وتنتهى بالملكة منتحرة بالسم تحت قدمى (العاشق الأخير). التزم دياب بإكراهات الحادثة التاريخية وموجباتها؛ فلم يغير فى إطار الحكاية شيئا، لكنه استثمر موجهات الفن المسرحى وقدراته فتلاعب بالتفاصيل الدقيقة للشخصيات وتطور بنائها الدرامى، وظهور ذلك فى حواراتها ومصائرها؛ فجرد الزباء من جمال الروح بفعل تسلط روح الانتقام؛ لذلك رفضت عاشقها وكبير جندها، وقبلت خدعة قصير وهى تعرف أنها صائرة إلى حتفها؛ لأنها رأت أن وجودها يتعس قومها، وجعل حوارها مع عمرو محاولة يائسة لإنقاذ امرأة سمت نفسها إلهة الانتقام، من شاعر حالم بالزهور، لكن الزباء تحسم الأمر، وتقتل نفسها رافضة كل الحلول، صدق محمود نسيم: «وهكذا نسج دياب فى الذاكرة الأدبية نصه الأخير وعلامته الباقية ليذوى جسمه مستوحدًا فى حجرة مغلقة».

بنى النص على ثلاثة فصول، وخمسة مشاهد، استأثر قصر الزباء بأربعة منها، وحضرت الزباء بجسدها فى أربعة، فيما غاب عمرو بجسده عن ثلاثة؛ فقد ظهر فى المشهدين الثانى والخامس، أما قصير فقد حضر فى أربعة حضورا جسديا، وغاب زبداى ونبهان من المشهد الأخير. الأماكن فى النص ثلاثة، يستأثر بهو القاعة الملكية المجرد عمدا من الأثاث بكل شيء، فيما جناح عمر ذو الأثاث الفارسى يحتل مشهدا واحدا، ويبقى لقاعة إدارة شئون الحكم مشهدا واحدا مملوءا بصور عمرو. تبدأ المسرحية بخديعة القبض على جذيمة وقتله، وتنتهى بجثة الزباء التى تنطلى عليها خديعة أخرى، وكأننا أمام رمز محدد؛ ما بدأ بالموت ينتهى بالموت.

حرص المؤلف على بناء المشاهد وتوزيعها لتخدم فكرته، التى جاءت فى النهاية على لسان الملكة: «إن أرضا ارتوت بالحقد، لا تنبت فيها زهرة حب» فيفتتح الفصل الأول بدخول زبداى، قائد الجند العاشق لملكته «الزباء» يظهر من الإرشاد المسرحى شيئان؛ الإيحاء ببرودة المكان وجموده (جرد من الأثاث عمدا) رغم أنه قاعة ملك فتاة جميلة، وبهذا يدخلنا إلى رؤيته للزباء التى تصرح بها فى الفصل الأخير، ويتكون الفصل الثانى من مشهدين يبدأ الأول منهما فى قصر عمرو بن عدى بالحيرة ومصوره ابن الحكم، والثانى فى قصر الزباء بتدمر وجاسوسها ابن الحكم العائد بعد أداء مهمته بنجاح، والغريب أنهما ينتهيان بلقاء عمرو بن عدى بوزيره فى الحيرة، وبلقاء الزباء مع قصير فى تدمر؛ إنها دائرة الخداع المحكمة؛ بدأتها الزباء بإرسال جاسوسها، وأكملها عمرو بإرسال جاسوسه.

هناك مستويات مختلفة من الصراع داخل النص، بحيث يتحول صراع الأعداء على الثأر محض بنية سطحية تخفى تحتها بركانا من الحمم المتقدة؛ فصراع زبداى مع نفسه فى حبه للزباء يحول حياته إلى جحيم، وصراع عمرو بين رومانسيته وبين غضبة مُلكه وضغوط قومه. لكن الزباء بحاجة إلى وقفة؛ فهل هى مجرمة بشعة أو إنها مجنى عليها؟ لنقارنها بقاتل أبيها، ثم لنقارنها بالشاعر الحالم الملك الرجل الذى انصاع لرغبات قومه.. هل كانت الزباء قادرة على فعل ما لم يستطعه الرجال؟

هى فتاة جميلة لكن أباها يجهزها للملك، وكى يدفعها للإتقان يذكرها بسوءتها: أنها أنثى، لهذا فهى تحاول أن تثبت لأبيها ولقومها أنها قادرة على فعل ما لا يستطيعه الرجال، وحين تأخذ ثأرها تجد أنها مطلوبة للثأر فتتحصن كما يتحصن الرجال، وتحاول أكثر من مرة أن تستعيد أنوثتها لكنها تعجز، من هنا فالجملة المركزية التى تنطقها تفهم هكذا: إن المرأة أرض لا تخرج الزهور إن تعكرت روحها. إننا هنا نلمس الخطأ التراجيدى فنتعاطف بل نشفق عليها.ما يقدمه النص من هذه الزاوية ليس جلدا للذات التى تتورط بالحروب والنزاعات، بل هو ضوء فى النفق المظلم: إن لم نجعل الكراهية تتحكم فينا، فإننا قادرون على أن نجعل العالم مليئا بالزهور .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق