رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أبوالغار يتتبع يهود مصر وأسباب خروجهم منها

مصطفى سامى
د. خالد العنانى وزير السياحة والآثار خلال افتتاح معبد «إلياهو هانبى» بالإسكندرية العام الماضي

فى كتابه الجديد «يهود مصر فى القرن العشرين» يرد الطبيب والمؤرخ محمد أبوالغار على السؤال الذى يشغل كثيرا من المثقفين: كيف عاش اليهود المصريون فى مصر، ولماذا خرجوا ؟ . فى عام 2004 عرضت كتاب أبوالغار« يهود مصر من الازدهار الى الشتات» لكن الكتاب الجديد، الصادر عن دار الشروق، جامع لكل مايتعلق باليهود المصريين المقيمين بمصر بالقرن العشرين وهو يختلف عن الكتاب الأول من حيث غزارة المعلومات والتحليل، كما تضمن حوارات للمؤلف مع 13 شخصية يهودية التقاهم بمصر وخلال زياراته لعدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة التى هاجروا إليها . هذه الحوارات تؤكد أن اليهود عاشوا بمصر حياة طبيعية بلا منغصات، وكانوا يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات التى تمتع بها أى مصرى .


استقبلت مصر منذ حكم محمد على وحتى ثورة يوليو 1952 أعدادا كبيرة منهم وعاملتهم كمواطنين مصريين حتى من عاشوا بها دون أن يحصلوا على جنسيتها برغبتهم . وبالقرن العشرين استقبلت المهاجرين من اليونان وأرمينيا ومن العرب الشوام، هربا من البطش العثمانى . فتحت مصر أبوابها للجميع ومن بينهم اليهود الذين عوملوا - كغيرهم من الجاليات - معاملة المصريين أبناء مصر . وقد تضمن الكتاب عشرات الجداول والرسوم البيانية التى توثق تضاعف أعداد اليهود فى مصر عدة مرات منذ عام 1800 حتى عام 1947.

اليهود المصريون الأصليون

ينقسم اليهود دينيا الى طائفتين، الطائفة الأكبر هى اليهود «الربانيين» وينتمى إليها أغلبية اليهود المصريين، خاصة الأغنياء منهم، وكذلك معظم يهود العالم . الطائفة الثانية «القرائين» وينتمى إليها عدد قليل من المصريين وهى أقل نفوذا من الربانيين . اختلف الباحثون على نسبة الأصليين والمهاجرين، لكن المؤرخين المصريين يرون أن نسبة اليهود الأصليين ضئيلة جدا . تتفق جميع المصادر على أنه كان هناك وجود دائم لليهود بمصر منذ القرن السادس قبل الميلاد، وقد ارتفعت وانخفضت أعدادهم طبقا للظروف الاقتصادية والسياسية . وقدر عددهم بمنتصف القرن التاسع عشر بين 5000 – 6000 يهودى أغلبهم يقيمون بحارة اليهود بالقاهرة وقلة تقيم بعدة مراكز بالدلتا . يقول المؤلف إن اليهود المصريين تأثروا بمصر وبالثقافة المصرية، وشاركوا بعمليات البناء والتنمية . كانت مصر وطنهم الأول حتى هجرتهم فى أعقاب 1956 . وقد التقى بأعداد منهم فى مصر وبيهود مصريين يقيمون فى باريس وجنيف وفلوريدا، والتقى بالسيدة ماجدة هارون رئيسة الطائفة اليهودية بمصر، ونشر تفاصيل هذه اللقاءات بالكتاب .

لاحظ المؤلف خلال زيارته لبعض المصريين اليهود فى أوطانهم الجديدة، أن اسم مصر يتردد دائما فى التوراة وقصص اليهود وصلواتهم وحفلات طهور أبنائهم . الفيلسوف والأديب اليهودى المصرى إدموند جاييس،غادر مصر من 44 عاما لباريس، كتب يقول: « إن مصر هو اسمها بالعربية، ولكن اسمها بالعبرية مصرايم، وهو يعنى بالعبرية مصر مرتين أو عدة مرات» وقد شرح فى كتاباته أن مصر تمثل شيئا بالغ الأهمية لليهود نفسيا وتاريخيا ودينيا .

بعد اشتعال الحرب العالمية الأولى قامت السلطات العثمانية فى فلسطين بترحيل خمسة آلاف صهيونى لمصر. كانوا من اليهود الفقراء . عامل اليهود المصريون نظراءهم القادمين من فلسطين بقدر من الحذر والقلق ، فهؤلاء اليهود الصهاينة مختلفون عنهم، لايفكرون كثيرا بالدين ولكن شاغلهم الأكبر القومية اليهودية واللغة العبرية وهو أمر لم يكن مهما بالنسبة لليهود المصريين الذين كانوا متدينين ولم يهتموا بدراسة اللغة العبرية، فقد اعتبر غالبيتهم أن مصر وطنهم، والعربية لغتهم.

حارة اليهود

تواجدت منذ عصر الفاطميين، ومنذ العصر العثمانى حتى منتصف القرن التاسع عشر، كان جميع يهود مصر تقريبا يقيمون بحارة اليهود بالموسكى، لم تكن حارة بالمعنى الشائع ولم تكن «جيتو» كما كان حال اليهود بدول أوروبا الشرقية بل كانت منفتحة على المدينة، رغم وجود 4 أبواب حديدية ضخمة يمكن إغلاقها اذا لزم الأمر لحماية سكانها . كان يسكنها أعداد كبيرة من المسلمين والأقباط، وكان سكانها من اليهود من ذوى الدخول المحدودة. لم تكن الحارة مكانا إجباريا ملزما لسكن اليهود فى أى فترة من التاريخ الحديث لمصر . وفى الاسكندرية أقام اليهود فى مختلف احيائها طبقا لوضعهم الاقتصادى .

بين الثقافة والاقتصاد الوطنى

مهما قيل عن إنجازاتهم الثقافية، إلا أن إنجازاتهم الحقيقية كانت بالاقتصاد . باستثناء قلة من اليهود المصريين الأصليين الذين ينطبق عليه قانون 1929 «المصرى الصميم» ويعنى المصرى أبا عن جد ويجيد اللغة العربية ويتفهم ثقافة الشعب المصرى وتقاليده . المؤلف عرض نماذج من هؤلاء اليهود المصريين الذين أثروا بانتاجهم الثقافة المصرية، فى الغناء والتمثيل والموسيقى والأدب والصحافة، وفى مقدمتهم يعقوب صنوع المعروف بأبو نضارة، وكان «متعدد المواهب معجون بطين مصر» وطبقا لرأى الكاتب «شموئيل موريه» فان صنوع كان الشخصية اليهودية الوحيدة فى التاريخ المصرى التى كان لها وجود شعبى وثقافى وسياسى فى مصر والشرق الأوسط . كان الخديو اسماعيل يحبه ويشجعه عندما كان ينتقد الباب العالى وقد لقبه بـ «موليير الشرق».

كان لليهود المصريين بصماتهم القوية على الاقتصاد المصرى، وجاءت حملة نابليون الفرنسية على مصر عام 1798 لتعلن بداية نشاطهم الاقتصادى بمصر، وكانت دعوة نابليون لليهود لمساندته وتعاطفه معهم وفكرته فى إنشاء وطن قومى لليهود أول بادرة فى هذا الاتجاه من قوة أوروبية، قبل سنوات من الدعوة الصهيونية . وفى عهد محمد على، بدأ اليهود يأخذون وضعا متميزا ووصل عددهم فى عهده إلى 9000 يهودى شغل بعضهم مناصب كبيرة بالدولة . بالنصف الثانى من القرن التاسع عشر عملوا بالصرافة وإقراض الأموال وتغيير العملات ليؤسسوا بنوكا صغيرة، بدأت العائلات الكبرى مثل قطاوى وموصيرى ومنشة وسوارس ورولو وأجيون بدايات متواضعة فى حارة اليهود وبعد سنوات تحولوا الى أثرياء كبار، وانطلقت أنشطتهم الاقتصادية الى الصناعة والزراعة والمواصلات والمقاولات .

أسست عائلة سوارس، ذات الأصول السويسرية، التى انتقلت لمصر أوائل القرن التاسع عشر بنك سوارس الذى تعاون مع البنك الفرنسى « كريدى فونسييه» عام 1980 وأصبح أكبر بنك للإقراض الزراعى . وساهم سوارس مع السير أرنست كاسل بثلاثة مشروعات ضخمة هى: خزان أسوان الذى تم بناؤه عام 1902 والبنك الأهلى المصرى عام 1898 وكان نصيب سوارس 25 % من أسهم البنك . واشترك سوارس مع قطاوى ومنشة ورولو فى إدارة شركة السكر التى كانت تزرع سبعين ألف فدان فى كوم أومبو، ونجح قطاوى عن هذه الدائرة فى الانتخابات التى جرت عام 1830 . وأنشأت عائلة سوارس أول خطوط مواصلات عامة فى القاهرة من عربات تجرها الخيول، واشتركوا مع قطاوى فى إنشاء خط سكة حديد حلوان وخط قنا أسوان وشركة مياه طنطا .

عملية سوزانا ( فضيحة لافون )

فى منتصف عام 1954 دوت الانفجارات بعدد من دور السينما والأماكن العامة بالقاهرة والاسكندرية . وكشفت التحقيقات أن المسئولين عنها يهود مصريون عملوا لحساب إسرائيل . كان عملا إرهابيا يهدف لإثارة القلاقل بمصر فيؤجل الإنجليز جلاءهم عن البلاد، ووضع إسفين فى العلاقات مع الولايات المتحدة . حوكم أعضاء الخلية. أوجدت هذه الجريمة قدرا كبيرا من عدم الثقة بين جموع الشعب المصرى وبين اليهود المصريين، ووصفها المؤلف بعد حوار أجراه عام 2003مع اليهودى الشيوعى المصرى ريمون إستمبولى بأن « عملية سوزانا كانت الضربة القاصمة التى وجهتها إسرائيل الى الجالية اليهودية فى مصر« .

لماذا خرجوا من مصر ؟

كتبت إحدى الباحثات بأطروحتها للدكتوراة أنه من مجموع 75 ألف يهودى عاشوا بمصر فى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضى هاجر 20 ألفا بعد عام 1948 وبين أربعين وخمسين ألفا بعد حرب السويس فى 1956، وكانت قرارات التأميم التى صدرت عامى 1961 و1962 هى الضربة العنيفة التى أخرجت بضعة آلاف أخرى، وبعد حرب 1967 غادر مصر بقايا اليهود، وفى الثمانينيات كان بمصر نحو ألف يهودى، والآن لايزيد عدد اليهود بمصر عن بضعة أفراد . لايوجد تفسير واحد عن أسباب خروج اليهود من مصر، ولكن هناك أكثر من سبب لذلك طبقا لعدد من الدراسات التى رجع لها المؤلف . فى ثلاثينيات القرن الماضى حدث تغير بالفكر المصرى وبدأ المصريون يتعاطفون مع وجهة النظر المؤيدة للعروبة، ويعتقد البعض أن ذلك كان سببا فى إثارة قلق بعض اليهود . عامل آخر وهو أن الجالية اليهودية المصرية كانت مختلفة عن بقية الجاليات بمصر والعالم العربى، فاليهود المصريون كانوا من خلفيات مختلفة بحيث يصعب الحديث عنهم باعتبارهم مجموعة واحدة، كانوا يتحدثون لغات مختلفة وتقاليدهم وعاداتهم مختلفة بعكس الجاليات الأخرى .

يعود المؤلف الى باحث مصرى أعلن أن قيام إسرائيل عام 1948 كان حدثا أشبه بالزلزال الذى اهتزت له حياة يهود مصر واستقرارهم اهتزازا عنيفا، فقد كانت حياتهم فى مصر قبل قيام إسرائيل تتسم بالاستقرار والهدوء والازدهار . والواقع أن قيام إسرائيل فى رأيى كان نقمة على اليهود المصريين الذين اعتادوا أن يعيشوا فى سلام وأمان مع المصريين منذ وصولهم لمصر منذ فجر التاريخ . بالسنوات الأخيرة، تقوم الدولة المصرية بجهود كبيرة لترميم الآثار، ومن بينها الآثار والمعابد اليهودية، كما حدث العام الماضى بافتتاح معبد «إلياهو هانبى»بالإسكندرية بعد انتهاء أعمال ترميمه، لتثبت مصر مجددا ودائما أنها وطن لجميع المصريين أيا كانت ديانتهم، وأن تراثهم سيبقى دائما جزءا منها، يستحق العناية به والحفاظ عليه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق