رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الفلاح والقرية عشية ولاية محمد على

شهدت حياة الفلاح وحالة الريف فى مصر الحديثة ثورتين. الأولى فى عهد محمد على باشا مؤسس مصر الحديثة، والثانية، فى عهد بقيادة جمال عبد الناصر قائد ثورة 23 يوليو. ثم جاءت مبادرة الرئيس السيسى باطلاق مشروع تطوير الريف المصرى ضمن مبادرة حياة كريمة حاملة وعدا بثورة ثالثة فى حياة الفلاح وحالة القرية فى مصر، تستجيب لمطلب الشعب المصرى بالكرامة الانسانية فى ثورتى 25 يناير و30 يونيو، وتقتلع جذور الفكر التكفيرى الذى يتاجر بمعاناة الفقراء. ويتوقف تحقيق ثورة مبادرة حياة كريمة غاياتها، التى أراها فى تحسين نوعية الحياة للفلاح المصرى والارتقاء بأحوال القرية المصرية على أمرين جوهريين.الأمر الأول، هو استيعاب المعطيات التاريخية والمتغيرات الجديدة المختلفة جذريا، والثانى، هو التعلم الايجابى من إنجازات وإخفاقات الثورتين العلوية والناصرية. وأركز فى هذا المقال على تقديم قراءة موضوعية نقدية للتغير فى حياة الفلاح وحالة القريةعشية ولاية محمد على باشا، ثم أعرض فى مقالى التالى- إن شاء الله- لعهد محمد على، خاصة بايجاز ما تم إنجازه من أشغال عامة زراعية،ودوره الرائد فى ثورة الرى الدائم، وما تغير فى أحوال الفلاح والقرية.

ويسجل يوسف نحاس- فى كتابه الفلاح:حالته الاقتصادية والاجتماعية، الصادر بالفرنسية فى سنة ١٩٠١، والمنشوربالعربية فى سنة 1926-أولا، قول نابليون بإنه:لا يوجد بلد في العالم للإدارة فيه ما لها في مصر من السلطان على الثروة العامة، فإذا كانت الإدارة حسنة، والترع وافية بالحاجة، مطهرة مصونة كما يجب، وقوانين الرى نافذة بعدل؛ شمل الرى كل المناطق. وإذا كانت الإدارة سيئة أو فاسدة أو ضعيفة، أصبحت الترع مسدودة بالطمى، والجسور غير معتنى بها، وقوانين الرى غير نافذة، ونظم المناوبات مختلة بسبب الفوضى، أو بسبب معارضة المصالح الفردية شخصية كانت أم محلية. ويخلص نحاس الى إنه إذا كانت سعادة مصر وأهلها مرتبطة بالحكومة التى تسوسهم؛ فان عهد المماليك- أداة السلطان العثمانى فى إدارة مصر وجلب الجزية- كان عهد بوار وبؤس شديد.

ويورد نحاس، ثانيا،تعزيزا لاستنتاجه، ما سجله فولناى، الذى زار مصر في سنة ١٧٨٥، يقول: إنه لما كان كل هم المماليك منصرفًا إلى الإثراء غير عابئين بالثروة العامة، لم يكن ليخطر على بالهم الشروع في الأعمال النافعة للجمهور، فقد كان ما يزرع على ضفتى النيل يكفى كل الكفاية ملء أهرائهم وجيوبهم، وكانوا يرون من العبث استخراج الخير من الأقاليم البعيدة عن مجرى النيل. ثم يورد ما كتبه لينان دى بلفون باشا يقول: إنه لم يُعرف أمر واحد يثبت أن ترعا للري الصيفي أنشئت قبل محمد على فى المناطق النائية عن النيل، وكان الارتباك والفوضى في الإدارة حائلين دون إحداث الأعمال النافعة؛ فإن كل إقليم كان تحت شياخة زعيم من المماليك، وعلى رأس كل قرية قائم مقام يستخدم لاحتفار الترع وإقامة الجسور؛ لفائدة الأطيان التي كان يستأثر بريعها، فلا يهتم البتة بما إذا كانت تلك الأعمال تفيد أو تضر القرى المجاورة.

ويسجل نحاس، ثالثا، أن ما سبق كان من شأن المماليك إزاء الأعمال العامة النافعة؛ ثم يطرح السؤال: كيف كانوا يعاملون الفلاح؟ ويجيب بأنه فى نظام مصر الإقطاعى كان السلطان ولى الأمر ومالك أراضى مصر، ويليه الباشا الوالى الذى يقوم مقامه ويحكم ولاية مصر، ثم يأتى الملتزمون الذين يقتنون الأراضى التى يطرحها الباشا في مزايدة علنية، فمن دفع فيها أعلى عطاء رست عليه، فيتسلم الملتزم من الحكومة وثيقة تثبت التزامه، وتتضمن الأمر باطاعة زعماء القرى وسكانها بإطاعته ودفع الإتاوة إليه.وهكذا، كان الملتزم حالا محل الحكومة، ينفذ في الفلاحين، الذين أصبحوا أرقاءَ له فى خدمة الأرض، جميع حقوق السيادة العليا.وكان للملتزم- كما للسادة فى أوروبا القرون الوسطى- أرض تدعى يزرعها الفلاحون لحسابه بطريق السخرة،ومعها الأراضي التى يعطي الملتزم للفلاحين حق الانتفاع بها.

ويعرض نحاس، رابعا، لمعاملة المماليك للفلاح، فيسجل أنه مطالب بإتاوات تستنفد كل دخله أو تزيد، فيدفع أولا المال الحر، وهو الضريبة المفروضة على العين، وذلك المال يقدره الملتزم بمحض إرادته، ثم يقسمه إلى قسمين: الأول، تؤدى به جزية السلطان المسماة بالميرى، والثانى، يختص به الملتزم تحت اسم الفائظ. وعلى الفلاح أيضا أن يدفع مبلغا يغطى ما يتعذر جبايته، وأن يؤدي ضريبة المضاف والبرانى وكان البرانى في الأصل هدية اختيارية تحولت إلى إتاوة إجبارية. وهذه الضرائب، التي كانت تستغرق معظم ريع الأرض، لم تكن كل ما يؤديه الفلاح، حيث تعددت الإتاوات التى أحصى منها سبع عشرة إتاوة، ومنها استباحات قومندانية الأقاليم بمصادرة كل ما يجدونه لدى الفلاح بحجة تغذية العساكر، وما يتقاضونه من الفلاح منحا ورسوما تبتدعها قرائحهم.وكان أشد الإتاوات هولا يؤديها الفلاح صاغرا لبدو الصحراء؛ الذين كانوا يتحينون كل فرصة سانحة لاقتحام القرى، فينهبون الحصاد ويسلبون ما تصل إليه أيديهم.

ويضيف نحاس، خامسا، أن السخرة وجدت على أقبح أشكالها، وكان الفلاح لا يفلت من سخرة إلا إلى سخرة؛ فآنًا تناط به تقوية الجسور وتطهير الترع واحتفارها إلى ما يماثل هذه الأعمال التي اختص بها منذ الأزل، وآنًا يحرث الأرض الأوسية التي يستغلها الملتزم لحسابه، ويخدم ذلك السيد الثقيل المطالب في كل ساعة من ساعات ليله ونهاره. وقد أذلت المظالم نفس الفلاح وقتلت فيها أدنى الشعور بالكرامة، ففي كل مكان بوار ودمار، وقلة نسل، وضعف حرث، وشعب نزل إلى أقصى دركات الانحطاط والجهل، وفوضى في الإدارة والقضاء والمالية وسائر الفروع.هذا موجز ما كانت عليه حالة الفلاح أيام المماليك، ونتيجة ذلك الاستبداد العقيم ماعتمت أن ظهرت الفاقة فهجمت على القرى بجيشها الجرار من الأمراض المتنوعة تحصد الأهلين حصدا.هذا ما كان عليه العهد المملوكى العثمانى، الذى كان أشقى عهد مرت به مصر.


لمزيد من مقالات د. طه عبد العليم

رابط دائم: