رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأسئلة الأفغانية (٢ ــ ٢)

تنَاوَل مقال الأسبوع الماضى التغير المحتمل فى السياسة الداخلية لطالبان ودعا إلى ترشيد التفاؤل بحجم هذا التغير خصوصًا على ضوء سلوك الحركة فى المناطق الواسعة من أفغانستان التى كانت تحكمها الحركة قبل دخولها كابول.ويركّز مقال هذا الأسبوع على احتمالات التغير فى السياسة الخارجية للحركة، وهنا فإن التغير ربما يكون أوضح لأن الحركة تعمل ومنذ سنوات على بناء شبكة متنوعة من العلاقات الدولية والإقليمية التى تضمن لها الاعتراف بشرعيتها والتحرك فى بيئة خارجية غير معادية فضلًا عن الدعم الاقتصادى لإعادة الإعمار ومواجهة الفقر والمرض.

ولعله ليس أوضح على التغير فى السياسة الخارجية للحركة من أنه عند دخولها القصر الرئاسى فى كابول كانت السفارات الروسية والصينية والإيرانية مفتوحة وتتمتع بحراسة من رجال طالبان، بينما روسيا هى الخصم التاريخى الذى من رحم الصراع معه وُلِدت طالبان وكل الحركات الجهادية الأخرى، وإيران هى الجار اللدود لطالبان الذى تتداخل معه قوميًا ومذهبيًا، هذا الجار الذى دعّم تحالف الشمال المضاد للحركة فى أثناء الاقتتال الداخلى بين فصائل المجاهدين ودفعت إيران ثمنًا غالًيا لتورطها فى المستنقع الأفغانى بمحاصرة قنصليتها فى مزار شريف ومقتل دبلوماسييها بعد وصول طالبان للسلطة. لكن مياهًا كثيرة جرت من تحت الجسور مابين حكم الحركة فى ١٩٩٦ وإطاحتها فى ٢٠٠١، وذلك الفراغ الذى سينجم عن الخروج الأمريكى من أفغانستان توجد أطراف عديدة تتطلع لملئه وتحاول طالبان الاستفادة من هذا التنافس من أجل توسيع هامش المناورة .من هنا تجاوبت طالبان مع دخول الصين وروسيا على خط التطورات الأفغانية واجتمع مسئولوها مع مسئولى البلدين للتنسيق والتفاهم استعدادًا لمرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي، وأسبق من ذلك كان تطوُر علاقة طالبان مع إيران التى توسطت فى مفاوضات السلام ودعمّت الجهود القَطَرية فى هذا الخصوص.وبطبيعة الحال فإن انفتاح طالبان على روسيا والصين لم ينف أن للدولتين مخاوفهما من أن يؤدى قيام حكم طالبان إلى تنشيط المعارضة الإسلامية القوية داخلهما وهذه أحد أهم النتائج السلبية المحتملة لحكم طالبان، ولذلك بدا مفهومًا أن تقوم الدولتان مع توالى التقدم العسكرى لحركة طالبان بمناورات عسكرية مشتركة على الحدود مع إقليم شينجيانج معقل أقلية الإيجور المسلمة وذلك بهدف إرسال رسالة تحذيرية واضحة، فمن الصحيح أن خروج القوات الأمريكية من أفغانستان يخلّص الدولتين من التهديد القائم على حدودهما، لكنهما لا ترغبان فى الوقت نفسه فى أن تتحوّل أفغانستان إلى كابوس من نوع آخر.ثم أنه على الرغم من أن منشأ حركة طالبان ارتبط بدور المخابرات الباكستانية إلا أن التنامى الكبير فى قوة هذه الحركة قد يكون له خطره على استقرار الأوضاع السياسية فى باكستان، وضبط هذه القوة لا يُعّد مصلحة باكستانية فقط بل إنه مصلحة صينية أيضًا على ضوء مع ماهو معلوم عن عمق العلاقة الاستراتيچية بين الصين وباكستان. وفيما يخص روسيا فإن أمن جمهوريات وسط آسيا المتاخمة لأفغانستان يهمها بالتأكيد، وفى هذا الإطار جاءت المناورات العسكرية الروسية الأخيرة مع كلٍ من طاچكيستان وأوزبكستان قرب الحدود الأفغانية، ولا ننسى أن بعض مكوّنات هاتين الجمهوريتين سبق لها التورط فى الحرب الأفغانية. هكذا نرى أن المصالح التى أدت إلى مرونة فى سياسات طالبان تجاه خصوم الأمس لم تمنع هؤلاء من التحسب لانعكاسات استيلائها على الحكم فى كابول، فتلاقى المصالح لا يلغى الاختلافات.

وماذا عن موقف حركة طالبان من الولايات المتحدة؟ مبدئيًا كون الحركة قبلت بالدخول فى مفاوضات مع الولايات المتحدة فإن هذا يعكس تغيرًا عمليًا فى سياسة الحركة، وثمة اتجاه سائد فى التحليل يذهب إلى أن الحركة تآمرت على الولايات المتحدة واستخدمتها لتحقيق هدفها فى الوصول للحكم. ويستند هذا الاتجاه إلى أن الحركة لم تلق بسلاحها فى أثناء التفاوض، ولا هى تعهدت فى اتفاق فبراير ٢٠٢٠مع الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار، فكل ما تعهدت به كان هو عدم السماح باستخدام أفغانستان منصة للهجوم على المصالح الأمريكية. ويرجع رفض الحركة إلقاء سلاحها إلى إدراكها أن ساحة المعركة هى التى سوف تحدد المستقبل السياسى لأفغانستان، ولاشك أن الحركة استفادت كثيرًا من رغبة إدارة ترامب ثم إدارة بايدن فى الخروج من ساحات الصراع فى منطقة الشرق الأوسط للتفرغ لمواجهة العملاق الصيني. ويضيف البعض دليلًا آخر على تلاعب الحركة بالولايات المتحدة من خلال قيام «مجاهديها» باختراق صفوف الجيش الأفغاني، ويعتبر هؤلاء أن هذا الاختراق يفسّر السهولة الكبيرة التى انهارت بها دفاعات الجيش الأفغانى وسرعة تقدُم قوات الحركة وصولًا إلى العاصمة كابول. وبطبيعة الحال فإن جزءًا مما جرى فى الكواليس يحتاج وقتًا لفك طلاسمه، لكن القول بتآمر طالبان على الولايات المتحدة يوازيه القول بتآمر الولايات المتحدة على طالبان كى تغرس شوكة فى خاصرة الصين وروسيا وتهدد إيران بتدفقات اللاجئين، ثم إن إدارة ترامب هى التى ضغطت على باكستان لإطلاق سراح الزعيم الطالبانى عبدالغنى برادر، كما أن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان وتركها سلاحها المتطور ليقع فى يد طالبان له حساباته الأمريكية بالتأكيد. والخلاصة أن النقاش حول مَن تآمر على مَن ليس نقاشًا منتجًا لأنه مبنى فى معظمه على تكهنات، وثمة حدود للقدرة التفسيرية لنظرية المؤامرة بالتطبيق على أفغانستان وغيرها. نعم صارت حركة طالبان أكثر براجماتية على المستوى الخارجى وتحرص على الاستفادة من كل الأطراف وترسم حدودًا لعلاقتهم بها، وما فعلته بترويض طموحات تركيا للتمدد فى أفغانستان واضح. وهى إذ تتعامل بهذه الواقعية فإنها تواجه مجتمعًا دوليًا منقسمًا:يخشى حصار أفغانستان فيتركها للصين وروسيا ويصطدم بمعضلات حقوق الإنسان بمعاييرها الطالبانية.


لمزيد من مقالات د. نيفين مسعد

رابط دائم: