رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

غضب الطبيعة وحتمية ميلاد ثقافة جديدة

حين تتحول القضايا الدولية ذات الأبعاد المتشابكة إلى تحد وجودى فإن ذلك بالطبع يستوجب تفعيل آليات الوعى بكل ما تمثله من طاقة تغييرية تعيد تشكيل الواقع على نحو يسمح بالاستمرارية والبقاء فى مسار اعتدالى، فلم تعد هناك قضية مركزية تجتاح العالم - وتثير الاهتمام والقلق والخوف والفزع لأنها تهدد مستقبل الحضارة نظرا لما لها من انعكاسات خطرة مدمرة على المحيط الكونى بأسره- كقضية التعامل مع المجال البيئى الذى أصبح نهبا لفوضى التكنولوجيا فى كافة معطياتها السلبية وضحية للصراع المحموم بين الكيانات الرامية نحو بلوغ أقصى أشواط السبق على غيرها حتى لو كان المقابل هو الإخلال بمنظومة الكوكب الأرضى أو إبادته!.

فطيلة عقود طوال انطلقت صيحات تحذيرية عديدة من قبل جبهة العلماء والمفكرين على اختلاف توجهاتهم، لكن أحدا لم يعبأ بها كأنها وحى خيال، بينما لم تكن فى فحواها غير أبجدية الحفاظ على الطبيعة فى سلاستها وضرورة تحجيم السلوك البشرى المعادى واقامة علاقة متوازنة تحول دون الانزلاق فى بؤرة الغضب التى تمثلت فىحدة التغير المناخى والانبعاث الحرارى وما نتج عنه من موجات الحر التى قتلت المئات بجانب تزايد هطول الأمطار وحالات الجفاف والفيضانات التى دمرت مناطق شاسعة وحرائق الغابات، وكل ذلك بالطبع تعود مرجعيته إلى الارتفاع المباشر فى حرارة الكوكب الأرضى، إذ تتعرض السياسات البيئية العالمية لضغوط متزايدة من قبل القوى الكبرى، وعلى ذلك تتوالى التساؤلات على نحو: ما هى دلالة حدوث الموجة الحارة كل عقد بعد ما كانت تحدث كل نصف قرن؟ وهل تمثل امكانية تحويل نحو خمسين مليونا من غازات الانبعاث الحرارى إلى زيرو وصولا إلى عالم بلا تلوث رؤية رومانتيكية للعلماء؟ وكيف يتسق تصدير النفايات الخطرة للدول المعدمة مع قيم وأخلاقيات الحضارة المعاصرة؟ وهل ينفصل المجال البيئى لهذه الدول عن الكوكب الأرضى؟ وهل تنجح القوى العربية فى ذلك بعد ما فشلت فى سحق فيروس كورونا؟ وهل كان العالم المعاصر فى حاجة إلى فاجعة حتى يوقن بوحدة المصير المشترك؟ وما هى طبيعة العلاقة بين ظاهرة التغير المناخى والزيادة الملحوظة من دول الشرق الأوسط على طلبات اللجوء السياسى إلى دول الاتحاد الأوربى؟ولماذا تحصد القارة الإفريقية جرائر غضب الطبيعة بينما هى لم تسهم ولو بقدر فى مسيرة الدمار البيئى؟ وهل تنعقد مسئولية حماية البيئة على جبابرة التكنولوجيا أم على تلك الكيانات المستهلكة التابعة؟

وما هى الإستراتيجية الفاعلة التى يجب أن تتأهب القوى الكبرى لوضعها على جدول القمة العالمية لتغير المناخ والمزمع عقدها نهايات هذا العالم؟ وهل يمثل الدمار البيئى فى كافة مظاهره إرثا حضاريا للأجيال القادمة؟

إن المجتمع الدولى قد أصبح فى حاجة ملحة لمراجعات شاملة تظلها روح تضامنية تقدر مستوى المسئولية التاريخية للحظة الراهنة وتعكف على قمع نوازع الأنانية وتعتبر بمصالح الآخر وأضراره وتدأب على تحجيم المصالح الذاتية والاستغناء عن تعظيم الربحية. ليكون إعلاء النزعة الإنسانية هوالتوجه الأمثل لحتمية ميلاد ثقافة جديدة ذلك باعتبارها عاملا مشتركا يجيز تطلعنا نحو المساواة والإدراك أن العالم هو بالضرورة مدفوع نحو غاية تطورية تتأسس على حوارية كبرى بين الثقافات بما يقود نحو استجابة لاحتياجات وطموحات عملية فى اطار نمط من الوعى المضاد القادر بطبيعته على تفكيك المعضلات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والدفع بها نحوسياقات أخرى تحول دون عنصرية إنهاك الطبيعة، وليس أدل على ذلك من تلك النذر بمستقبل مروع وليس هناك شىء أيضا بعد ما قالته عالمة المناخ ليندا ميرنز: من أنه لا مكان للهرب.. لا مكان للاختباء!.


لمزيد من مقالات د . محمد حسين أبو العلا

رابط دائم: