رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عودة طالبان .. أسئلة كثيرة وأجوبة قليلة

تنبأت السينما الأمريكية جزئيا بمشهد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، خاصة مشهد اللحاق بالطائرة، ومع ذلك فإن سينما هوليوود لو استعانت بأبرز منتجى وصناع الخيال، وأكبر الروائيين القادرين على التصوير الأمين للواقع وأعماقه الخفية، بل وأيضا بناء واقع متخيل يتجاوز مساوئ الواقع الفعلى، لما استطاعت ولما استطاعوا إنتاج المشاهد والنهايات، التى رافقت انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، رغم أن بداية الاتفاق والتفاهمات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان تعود إلى عام 2018، توجت بالاتفاق الموقع بين الولايات المتحدة وحركة طالبان فى28 فبراير عام 2020، وتولى الرئيس الحالى جو بايدن مهمة تنفيذ هذا الاتفاق.

أغلب المراقبين الضالعين فى السياسة الأمريكية الخارجية، خاصة بعد 11 سبتمبر 2011، كانوا يرون أن هذا السيناريو آت لا ريب فيه، وأن الانتقادات المثارة ينبغى ألا تركز على الانسحاب من حيث المبدأ؛ بل على الطريقة التى تم بها، وغياب الترتيبات والتنسيق اللازم لتنفيذ انسحاب آمن وغير فوضوى، ويتجنب الإضرار بالمدنيين الأفغان، ويذكر الكثيرون بالتسمية التى عرفت بها أفغانستان ألا وهى مقبرة الإمبراطوريات من الإغريق والمغول ومرورا بالإمبراطورية البريطانية فى القرن التاسع عشر والإمبراطورية السوفيتية فى ثمانينيات القرن العشرين والإمبراطورية الأمريكية فى القرن الحادى والعشرين.

وسواء كان هذا الانسحاب الأمريكى والذى بدأ التفاوض حوله وتوقيعه فى عهد دونالد ترامب دون التشاور مع الحلفاء، بسبب قصور التصورات والرؤى والتحليلات التى قدمتها مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية التى تهتم بدراسة كل صغيرة أو كبيرة تتعلق بأمن الولايات المتحدة وتغذية القرارات السياسية بمنظومة معلوماتية ومفاهيمية، أو بسبب المصالح الأمريكية فى الانسحاب والحفاظ على أرواح الجنود أو بسبب الاستدراج المزعوم للصين وتعطيل مشروعها العملاق حول الحزام والطريق، أو توتير علاقات روسيا الآسيوية، وغواية هاتين القوتين العظميين، أى الصين وروسيا بملء الفراغ الناجم عن انسحاب الولايات المتحدة وحلفائها، فإن النتيجة تكاد تكون واحدة، ألا وهى اهتزاز مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد الدولى لدى الأصدقاء والحلفاء قبل الخصوم.

بادئ ذى بدء ترك انسحاب القوات الأمريكية الشعب الأفغانى ومصيره فى قبضة طالبان خاصة الفئات الضعيفة والمهمشة كالنساء والفتيات، وأولئك الذين قدموا الخدمات للتحالف الأمريكى الأطلسى، وعددهم يقارب المائة وعشرين ألفا من الموظفين والمترجمين والمتعاونين، ورغم تصريحات طالبان بالعفو العام عن موظفى الدولة والحكومة السابقة، والحديث عن حقوق المرأة وفق الشريعة، فإن هذه التصريحات حتى الآن موضع اختبار، ولا يمكن الوثوق بها، إلا إذا ترجمت إلى قرارات وأفعال، ومصير هذه التصريحات حتى الآن فى رحم الغيب، رغم الحديث المتواتر عن نسخة طالبان فى2021 المختلفة عن طالبان عندما صعدت إلى الحكم فى التسعينيات.

معظم التقديرات الأمريكية والتصورات النظرية عبر الأوضاع فى أفغانستان جانبها الصواب، من إمكان تطبيق النموذج الديمقراطى الغربى فى أفغانستان، كمجتمع يغلب عليه الطابع القبلى والتنوع العرقى، ومرورا بتوقعات المخابرات الأمريكية بأن سيطرة طالبان على كامل أفغانستان تستغرق 90 يوما وهى مدة كافية لتحقيق الانسحاب الآمن، وانتهاء بتقدير قوة الجيش الأفغانى، وقوات الأمن الأفغانية والتى يتجاوز عددها أربعة أضعاف قوة طالبان (300 ألف وطالبان 75 ألفا)، وذلك فضلا عن التدريب والعتاد الحديث وصقل الخبرات والمهارات لهذه القوات، وإنفاق مليارات الدولارات على مهمة إنشاء جيش أفغانى، قادر على الحلول محل قوات التحالف عندما يتحقق الانسحاب، وركزت هذه التحليلات على قدرة الجيش الأفغانى على القيام بواجبه وتحمل عبء الدفاع عن النظام والمواطنين.

الواقع الميدانى كشف عن هشاشة هذه الرؤى ومفارقتها للواقع؛ ذلك أن النخبة السياسية التى تشكلت فى أحضان الاحتلال الأمريكى أظهرت انتهازيتها وفسادها، وعدم قدرتها على تحمل المسئولية الوطنية، تجاه الشعب والنظام، وتمكنت طالبان من شراء العديد من الولاة والوزراء والمسئولين واستمالتهم، إن بالترهيب أو الترغيب، كما أن وحدات الجيش الأفغانى استسلم البعض منها بلا قتال وقام البعض الآخر بتسليم أسلحتهم الحديثة لقوات طالبان، بل ونظر الفلاحون فى بعض الولايات إلى عودة طالبان كجواز مرور للأمن وإنهاء الفساد المستشرى فى البلاد.

انهيار الجيش الأفغانى بهذه السرعة أمام قوات طالبان، كان مفاجأة لكل أجهزة الاستخبارات والتقديرات المختلفة من وزارة الدفاع وغيرها حول تفوق قوات الجيش الأفغانى، وذلك بحساب ميزان القوى الكمى، فى حين أن الانهيار كان بسبب عدم وجود توازن الإرادات، حيث لم يمتلك الجيش الأفغانى عقيدة قتالية وطنية، فى مواجهة قوات طالبان التى تمتلك العقيدة والهدف، والأموال التى أنفقت بالمليارات على إنشاء هذا الجيش لم تؤت ثمرتها, بسبب الفساد وغياب الانتماء والنظر إلى اللحاق بالجيش كمصدر للرزق فقط.

عودة طالبان إلى حكم أفغانستان تحمل أكثر من دلالة ينبغى التوقف عندها، أولها تعثر التدخل الخارجى فى تحقيق أهدافه أى تعزيز الديمقراطية وبناء الدول وذلك يعنى انسداد أفق التغيير من الخارج، فضلا عن أن هذا التغير متعثر من الداخل، إن لم يكن مستحيلا، بسبب الطبيعة القبلية والعشائرية والمذهبية فى أغلب البلدان التى كانت موضوعا لهذا التدخل مثل أفغانستان والعراق وليبيا.

من ناحية أخرى فإن الانسحاب الأمريكى الذى لم يعلم به الحلفاء أو النظام الذى أقامته الولايات المتحدة الأمريكية فى أفغانستان، سيترك تداعياته وآثاره على المشهد الإقليمى والدولى، لأنه قد يعزز الانقسامات المذهبية والدينية فى الشرق الأوسط وغيره من الأقاليم، كما أنه قد يسهم فى صحوة البؤر الدينية المتطرفة فى العديد من البلدان وينعش من جديد طموحاتها فى إقامة الخلافة الإسلامية.

على صعيد آخر فإن التطورات فى أفغانستان تشجع على فقدان الثقة فى السياسات الغربية والأمريكية التى تتبدل وتتغير كما يغير مشاهدو التليفزيون البرامج التى لا تحوز إعجابهم، ويبقى بعد ذلك أن عودة طالبان تثير الكثير من الأسئلة والقليل من الإجابات ويظل الترقب سيد الموقف حتى إشعار آخر.


لمزيد من مقالات د. عبد العليم محمد

رابط دائم: