رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عمّ تكشف نتائج الثانوية العامة هذا العام؟

كم وزيرا للتعليم عرفتهم مصر من قبل كانوا يدركون عمق ما أصاب التعليم المصرى من خلل وتراجع لكنهم ترددوا فى القيام بإصلاحات جذرية لأسباب شتى أولها خشية رد الفعل السلبى المتوقع من مجتمع لديه قدرة هائلة على التكيف مع أوضاعه المعوجّة؟ السؤال السابق استنكارى وليس بهدف المعرفة لأننا نعرف جميعاً أن معظم إن لم يكن كل محاولات الإصلاح التعليمى كانت تعتمد على ما يمكن تسميته الإصلاح بالمسكنات وطب التجميل مع أن الأمر يحتاج إلى ما يشبه طب الحالات الحرجة. جاء الوزير الإصلاحى طارق شوقى ليوقف ولو بقدر ظاهرة العبث التعليمى الذى كنا ننفرد به عن كثير من دول العالم بارتفاع نتيجة امتحانات الثانوية العامة بشكل هائل مبالغ فيه، وحصول أعداد ليست بقليلة من الطلاب على الدرجات النهائية بخلاف آلاف مؤلفة أخرى كانت تحصل على ما دون المائة فى المائة بقليل. وفقاً لنتائج هذا العام فإن نسبة النجاح بلغت 74% مع أنها كانت تتراوح بين 95 و98% فى السنوات الماضية، ولم يحصل أى من طلاب شعب العلوم والرياضيات والآداب على الدرجة النهائية وستنخفض بشكل ملحوظ الحدود الدنيا المتوقعة لدرجات القبول فى بعض الكليات أحياناً بنسبة 10%.

ما نأمله أن يكون القضاء على ظاهرة الدرجات النهائية أو شبه النهائية خطوة أولى على طريق الإصلاح التعليمى الشامل وإيذاناًبإصلاحات أخرى. ربما لم تعجب نتائج امتحانات هذا العام الأسر المصرية التى تعوّدت على حصول أبنائها على الدرجات النهائية وشبه النهائية وهذا بحد ذاته مثير للدهشة والتساؤل. صحيحً أننا مجتمع تستغرقه المظهرية والمبالغة وتضخيم الذات لكن هذه الدرجات النهائية ونسب النجاح شديدة الارتفاع لم تكن تعبر عن معايير التقييم العلمى الصحيح. كنا ندرك كعاملين فى مجال تعليم وحتى كأشخاص عاديين أن أسئلة الثانوية العامة تقيس فقط القدرة على حفظ المعلومات وتخزينها واسترجاعها ثم لا يلبث كل هذا أن يطويه النسيان سريعاً، أما قياس القدرة على التفكير وبناء العقل النقدى واكتشاف ملكات الابتكار فلم يكن لها مكان فى نظم تقييم تعتمد على التلقين والحفظ. ولهذا كان يتساوى الطالب الذى لا يملك سوى ذاكرة قوية مع الطالب المبدع أو الموهوب.

ولم تكن ظاهرة درجات ال 100% تخلو من مفارقات مضحكة لأنها توحى بأن جيلاً أو أجيالاً متتالية من نوابغ المصريين مثل أحمد زويل ومجدى يعقوب وفاروق الباز ومصطفى السيد وغيرهم كانوا أقل نبوغاً من أجيال ال 100% وال 99% لأن الدرجات التى حصلوا عليها فى الثانوية العامة آنذاك كانت أقل بكثير من ذلك. وفى الحقيقة فالمسألة كلها تكشف عن حالة من الاستخفاف بالمعايير وهى سمة عقلية ونفسية وسلوكية لواقع أعم وأشمل هو غياب المعايير فى حياتنا.

ما الذى فعله بالضبط وزير التعليم د. طارق شوقي؟ هو فى الواقع لم يخلق شيئاً لم يكن موجوداً لكنه أعاد الاعتبار لجدية ومصداقية نتائج الامتحانات ومعايير التقييم فى نظامنا التعليمي. لم ينجز بعد د. طارق شوقى الإصلاح التعليمى المنشود الذى يشمل كل عناصر العملية التعليمية وهى المدرسة والمعلم والطالب والمنهج التعليمى (فى محتواه ووسائله) فمثل هذا الإصلاح يحتاج إلى وقت وإمكانات وتفهم مجتمعي. لكن سيذكر التاريخ له نزعته الإصلاحية التى جعلته يُقدم على ما تردد فيه غيره لعشرات السنين. نتائج الثانوية العامة لهذا العام تضع ولو بقدر حدا لخداع الذات الذى نعيشه فى نظامنا التعليمى والذى نتظاهر فيه جميعاً معلمين ومسئولين وطلاباً بأننا بلغنا مرحلة الكمال التعليمى وأدركنا نهاية التاريخ! والمؤكد أنها ستضع (ويجب أن تضع) فى حرج أساتذة الجامعات فى الكليات التى أُشتهر عنها منح الدرجات النهائية لأعداد غفيرة من الطلاب بل إن بعضها كان قد تفنّن فى تفسير بعض اللوائح الخاصة بقواعد الرأفة تفسيراً (أكروباتياً) لكى يحصل بعض الطلاب على درجات تتجاوز بالفعل المائة فى المائة!

خطوة الإصلاح العاقل والجريء لنظام تقييم طلاب الثانوية العامة التى فاجأنا بها الوزير د. طارق شوقى ليست بالطبع هى كل الإصلاح المنشود لكنها خطوة مهمة على طريق الإصلاح الشامل والمدروس. قد يرى البعض أن هذه الخطوة كان يجب أن تكون هى نهاية وليس بداية مسار إصلاح منظومة التعليم قبل الجامعي. تلك وجهة نظر ربما كانت تعبر عن أرباب أسر طلاب الثانوية العامة وبالتالى يغلب عليها المنظور الشخصى لا الموضوعي، وهى لا تقلل من الأهمية الخاصة لمعالجة نظام تقييم الطلاب الذى يتجلى فى كونه ضرورة لا غنى عنها لمعالجة ظاهرة أخرى أخطر وأكثر تعقيداً وهى ظاهرة الدروس الخصوصية. فهذه الظاهرة كانت تعتمد بشكل جذرى وربما وحيد على تزويد الطلاب بفنون اجتياز الامتحان والتفوق فيه وليس على تزويدهم بالمعرفة وإكسابهم ملكات التفكير وصقل مهاراتهم، ولهذا كانت قد انتشرت فى السنوات الأخيرة انتشاراً مريعاً ظاهرة الملخصات ونماذج الامتحانات المعدة سلفاً وكأن التعليم كله قد تمحور هدفه حول اجتياز الامتحان وليس المعرفة. وسط هذا الخلط الحاصل بين التعليم والتعلم والفارق بينهما كبير تلاشت قيم وأنماط المعرفة والتفكير وبناء الشخصية كأهداف موازية أخرى لمؤسسة المدرسة.

توحى نتائج الثانوية العامة لهذا العام بأن الوزير طارق شوقى يمكن أن يدخل تاريخ التعليم فى مصر لو أنه استطاع العام المقبل أن يعيد المدرسة المصرية لأداء دورها ورسالتها كمؤسسة للمعرفة والأنشطة والقيم وبناء الشخصية. هذا يتطلب فرض نظام صارم لحضور الطلاب لا يستطيع أحد التلاعب به أو الالتفاف حوله. ولضمان ذلك يجب أن يكون نظام حضور الطلاب وغيابهم إلكترونياً خالصاً يتم رصده ومتابعته عن بعد وبشكل آني. لو حدث هذا سنرى بداية النهاية لظاهرة الدروس الخصوصية التى انفردت بها مصر عن سائر مجتمعات العالم على الأقل من حيث شيوعها وصيرورتها مؤسسة بديلة عن المدرسة الرسمية بكل معنى الكلمة وخارجة ومستعصية على كل تنظيم من جانب الدولة. كانت الدروس الخصوصية تعتمد فى ازدهارها على أسئلة الامتحانات النمطية التى يمكن توقعها سلفاً وإعداد نماذج إجابتها سلفاً. أما اليوم وبتغيير فلسفة تقييم إجابات الطلاب والانفتاح على مصادر معرفية أوسع بخلاف الكتاب المدرسى الذى عشنا عقوداً نتعامل معه كالبقرة المقدسة التى كثر المنتفعون منها فإن ظاهرة الدروس الخصوصية ستفقد أحد أهم عوامل الطلب عليها، أو هكذا نتمنى.

ظل كاتب هذه السطور يكتب منذ نحو عشرين عاماً عن ظاهرة المبالغة فى تقييم التحصيل العلمى وغياب المعايير الجادة والخروج بالعملية التعليمية من فصول المدارس برسالتها المعرفية والقيمية والتربوية إلى تجمعات المساء والسهرة فى المنازل وما يطلق عليه السناتر التعليمية. ولهذا فإن إعادة الرشد والاتزان لنظم الامتحان والتقييم تمثل خطوة جديرة بمؤازرة مجتمعية للقائمين على الإصلاح التعليمي. تحيةً واجبة لهمة وجسارة وزير التربية والتعليم طارق شوقي.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: