رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الهجرة النبوية.. من المشهد إلى المنهج

د. هانى الأزهرى
د. هانى الأزهرى

مخطئ من يظن أن الهجرة النبوية مجرد انتقال من أرض إلى أرض، بل هى منهج ومعنى تجليا - فى أسمى صورهما - من خلال الحادثة المباركة، ولا يزالان قابلين للتطبيق.

إن معنى الهجرة هو: الثبات على المبدأ، والاستمرار فى نصرته، والنضال من أجل نشره مهما تكن المعوقات التى تخر لها الشم الرواسي. وليس هذا المعنى - كما يظن ذوو التفكير السطحى - قالبا جامدا على حدث، مقصورا على مشهد، مهما تكن أهميته، بل هو روح تسرى فى همم الصادقين من أصحاب الدعوات على مر العصور، ولا ينقطع بهجرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة.

 

فالهجرة مدرسة إيمانية يتربى فيها العاملون على معانى التضحية والجهاد، فها هو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، يبذلون النفس والنفيس، ويهجرون الأهل والمال والولد، فارين بدينهم إلى أرض لم يخبروها، وعشيرة لم يألفوها، ولا باعث لهم إلا نُصرة الفكرة، ونشر الدعوة، وبناء الأمة.. إنها مدرسة الإخلاص العظمى، وبوتقة الصدق الكبري.

فى مدرسة الهجرة دروس عدة لأهل البلاء؛ إذ تتربى عزائمهم على أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا، وأن ليل المحنة مهما يطل فلا بد من بزوغ فجر الفتح، وشروق شمس الرِّبح.

وفى الهجرة، أيضًا، ابتلاء بمفارقة المحبوبات، وترك المرغوبات؛ لأجل غاية أسمى، تتضاءل أمامها كل رغبات النفس؛ ولهذا فالهجرة - إعزازا للدين - تصنع شخصية “رسالية” قوية، قادرة على الصمود فى مواجهة مدلهمات الخطوب

إن أى قلب تصنعه الهجرة هو قلب تقى، نقى من شوائب الحظوظ النفسية التى تكدر صفاء الإيمان.

وأى عقل تعيد تشكيله هو عقل بعيد المدى، واسع القوى، لا ينتهى مداه حيث بصر صاحبه بل يتسع إدراكه ليجاوز حدود هذا العالم. أما النفس التى تحوى هذا القلب التقى، وذاك العقل الصفي؛ فهى جديرة بأن تكون النفس المطمئنة التى حُبب إليها الطاعة، وكُره إليها الكفر والفسوق والعصيان، فهجرت ما نهى الله عنه.

أحدثت الهجرة النبوية تحولا جوهريا فى مسيرة الإسلام؛ إذ نقلت الرسالة الإسلامية من مرحلة الدعوة إلى الفكرة والمنهج، إلى مرحلة الأمة التى تتجسد فيها الفكرة، ويهيمن فيها المنهج، وتصير فى أكنافها دعوةُ الحق عزيزة فى حصن حصين.

فلا عجب إذن أن تكون سنة ماضية فى حياة الأنبياء، تحقق للدعوة مناخا أفضل لانتشارها، وتمنح نفوس المؤمنين ميدانا أرحب للنضال من أجل إعزاز راية الحق فى أرض جديدة، يُعد انضمامها إلى معسكر الدعوة مكسبا عظيما، يحقق تحولا قويا فى مسار انتشارها. لقد رأينا الهجرة فى حياة أبى الأنبياء إبراهيم، عليه السلام، بعد أن انسدت أمامه آفاق الدعوة فى أرض قومه

ورأيناها كذلك فى حياة موسى، عليه السلام، بعد أن عزم فرعون وقومه على قتله ومن معه والخبر يغنينا عن استقراء حياة الأنبياء لتتبع هذا المعني؛ ففى صحيح البخاري: “لما ذهب النبى، صلى الله عليه وسلم، مع خديجة، رضى الله عنها، إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، تنبأ ورقة باضطرار النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى الهجرة، وأخبر النبى، صلى الله عليه وسلم، بأنه: “لا يأتى نبى بمثل ما جاء به محمد إلا عُودي”.

والأمر هكذا، آن للعقل المسلم والقلب المؤمن أن يجولا فى دروب الأحداث النبوية العظمى جوَلانا يعيد لهما بوصلة التفكير الإيمانى النافذ، وربانية الوجدان الإسلامى المشرق؛ حتى تسترد الشخصية الإسلامية المعاصرة أعظم أركانها المفقودة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق