رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كلمات
أنوثة مؤجلة

وقفت أمام المرآة، حلت ضفيرة شعرها، صففته جعلته متناثرا على منكبيها،استبدلت ملابسها الفضفاضة المحتشمة بأخرى، نثرت رذاذ عطرها على كامل جسدها المرمرى ووضعت مساحيق التجميل المحببة لديها.. منذ سنوات بعيدة لم تكن تفعل هذا وكأنها خاصمت الحياة، كانت تقاوم شعورها بأنها إمرأة مكتملة الأنوثة، أخفت كل معالمها.. كانت تدس فى إصبعها «دبلة» عريضة، تصد كل من يحاول الإقتراب منها، أغلقت كل الأبواب، لا تصغى لكلمات الإطراء والإعجاب رغم شعورها بالسعادة الا أنها كانت فظة فى ردودها.. وتتظاهر بالقوة والثبات بينما هى هشة للغاية، باغتتها صديقتها يوما قائلة: ألم تشعرى بالحب تجاه رجل يا حياة؟ نظرت إليها وأومأت بالرفض دون أن تنبس بكلمة.

ـ لكنك لك الحق فى الحياة، فعلام تحرمين نفسك هذا الحق؟ أجابت فى حنق: لقد مات فؤادى،ومعه مات كل شىء!

هكذا أخبرتنا الروائية إيمان عنان فى مجموعتها القصصية «كنت لك» التى صدرت حديثا وتحوى 33 قصة قصيرة، تصف مشاعر الأنثى فى مواقف حياتية مختلفة، من خلال «المرآة» التى تمثل «ماستر سين» أو المشهد الرئيسى الذى ينشأ من خلاله حديث الروح والجسد وكأن المؤلفة تعمدت أن تقسم على أنوثتها، فنحن نعرف تماما ماذا تعنى المرآة للمرأة، جاءت لغة الكتابة إنسيابية متأرجحة بين الواقعية البحتة والخيالية المدقعة، وضفرتهما الكاتبة بحرفية وكأنها متلبسة بحالة من الصدق البين.وهو البناء الذى ربط بين القصص جميعا كـ«صفعة خذلان»، «غفرت لك»، «هتك خيط المودة»، «لقاء الفراق»، غمدت سيف الحب»، «أمى خادمة».

وكأن القصص تلك جاءت لتبرر عنوان المجموعة كلها، فلماذا «كنت لك»؟ وكيف نحن الآن؟ من يسلبنا أنوثتنا ومن يؤجلها ومن يحرمها علينا؟

لقد ترعرعنا جميعا على روايات الأديب الراحل إحسان عبدالقدوس بصفته أبرع من كتب عن مكنون النفس الأنثوية وثناياها وتعقيداتها ومازلنا نصبو إليها وكتبت بعض المؤلفات عن مشكلات الأنثى منهن على سبيل المثال لا الحصر الأديبة الراحلة فتحية العسال ولكن كتاباتها كانت تتجه نحو الواقعية بعنف حتى يظن القاريء أنها تؤرخ لمراحل تاريخية مجتمعية وأحيانا سيرتها الذاتية. ولكن «إيمان» صنعت خلطة عبقرية طازجة حين عبرت عن لسان حال الأنوثة الباهتة فى شرقنا المختنق بأكثر من موقف وعلاقة، بشكل بسيط قادر على إخراج تأوهات الإحساس بوجع الكلمات فى نفس المرأة دون الغرق فى دهاليز اللغة وهو ما يتسق مع آليات عصر السوشيال ميديا وأجيال الانترنت.

وحين تتحدث الأنثى عن أوجاعها تصبح أكثر مصداقية من كتابات كتيبة من الرجال الذين يشوب كلماتهم التعاطف تارة مع حال الأنوثة المنهكة أو السخرية والإنتقاد تارة أخرى كما كان يفعل الفيلسوف الراحل أنيس منصور.

والحقيقة أننى بالأصالة عن نفسى وبالنيابة عن عشيرتى من النساء أصبحنا فى حالة من جفاف المشاعر ونضوب الأحاسيس أصابتنا بالتعطش لمثل هذه الكتابات والحالات الناعمة علها توقظ ما أخمدته الرياح الرقمية ورقمنة النفوس.


لمزيد من مقالات د. هبة عبدالعزيز

رابط دائم: