رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تابوت نهاية العالم

د.حسين عبدالبصير

من الأشياء المثيرة حقا فى السنوات الأخيرة، وأثار ضجة كبيرة ليس لها مثيل فى العالم كله؛ اكتشاف تم حديثا فى مدينة الإسكندرية منذ عدة سنوات، وهو اكتشاف تابوت سيدى جابر، أو تابوت نهاية العالم، كما أطلق البعض عليه. فما قصة وحقيقة هذا التابوت؟

على بعد خمسة أمتار من سطح الأرض، وداخل مقبرة أثرية، تم العثور على تابوت حجرى ضخم من أكبر التوابيت التى عُثر عليها فى الإسكندرية. والتابوت مصنوع من الجرانيت الأسود، والذى كان يُنقل من أسوان إلى الإسكندرية، بأبعاد حوالى طول 2.75 متر × عرض 1.65 متر، وبارتفاع 1.85 متر. ويبلغ وزن التابوت حوالى 30 طنًا تقريبًا.

وتم الكشف عنه بمحض الصدفة، أثناء أعمال الحفر فى شارع الكرميلى، بمنطقة سيدى جابر، شرق الإسكندرية؛ لوضع أساس أحد المنازل. ولم يتم فتح التابوت الأسود منذ أن تم إغلاقه فى الأصل.

وانقلب العالم كله بين يوم وليلة. وتحدثت وسائل الإعلام فى العالم عن ذلك الكشف المثير الذى روج له البعض بشدة. وأطلقت عليه تابوت نهاية العالم. واعتقد البعض أنه عند فتح ذلك التابوت، سوف يسود الظلام الدامس. واعتبره بعض الناس فى العالم كشفًا مهمًا وعالميًا بكل المقاييس؛ لأنه ساد الاعتقاد أن ذلك التابوت هو تابوت الإسكندر الأكبر، الذى يبحث عنه العالم منذ مئات السنين؛ خصوصًا أنه لم يتم فتح التابوت من قبل.

وشغل ذلك الكشف الأثرى الناس حول العالم كله. وتم إطلاق مسميات عديدة على تابوت نهاية العالم، أو تابوت فتحة نهاية العالم، أو التابوت الأسود، أو فتحة إظلام العالم وتلك عدة أسماء من بين الأسماء التى أطلقتها وسائل الإعلام حول العالم على ذلك الكشف الأثرى المثير.

وادعى البعض أن فتح التابوت سيؤدى إلى إظلام كامل للعالم؛ تأكيدًا لأسطورة صندوق باندورا، التى تحكى الأسطورة اليونانية أن صندوق باندورا احتوى على كل شرور البشر من جشع، وغرور، وافتراء، وكذب وحسد، ووهن، ووقاحة، ورجاء. وأمرها زيوس بألا تفتحه أبدًا. وعندما فتحته، خرجت كل شرور البشر منه. وسارعت بإغلاق الصندوق. وخرج، فى النهاية، ضوء ساطع، وهو الأمل. لكن يقال إن وجوده بصندوق الفظائع دليل على أن الأمل زائف، وظهوره على شكل ضوء ما هو إلا شر مكسو بالمظهر الحسن.

وربط عدد كبير من مستخدمى مواقع التواصل الاجتماعى بين الاكتشاف الجديد، والأفلام التى تتحدث عن لعنة المومياوات. وكتب أحد الصحفيين الأجانب المعروفين معلقًا على خبر اكتشاف التابوت الغامض قائلاً: «إذا تعلمنا أى شيء من كل فيلم مومياء فى المائة سنة الماضية، فإنه لا يجب فتح ذلك التابوت.»

بينما اعتقد بعض مستخدمى مواقع التواصل الاجتماعى أن فتح الصندوق، ورفع الغطاء عنه، سيصيب العالم بلعنة، وسيؤدى ذلك إلى أن يسود الظلام العالم، وسيغطى على ضوء الشمس، مما سيجعل الأرض تعيش فى ظلام دامس لمدة 1000 عام تقريبًا.

ونظرا لتكالب الكثير من الناس على مشاهدة التابوت فى الموقع، تسلمت الشرطة العسكرية الموقع بالكامل. وتحول شارع الكرميلى، بمنطقة سيدى جابر، إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، بعد فرض إجراءات أمنية مشددة من قبل القوات المسلحة والشرطة العسكرية؛ لتأمين عملية فتح التابوت، ونقل المكتشفات إلى أى مخزن متحفى قريب من الموقع؛ لترميمها ومعالجتها.

وفى يوم الخميس الـ 19 من شهر يوليو عام 2018 ميلادية، تمت معاينة موقع التابوت الأثرى المكتشف، ووُضعت طرق لرفعه من باطن الأرض. وتمت معاينة المعدات المقرر استخدامها لرفع الغطاء، وتوفير ونش برافعة لإمكانية رفع الغطاء.

ثم بدأ فريق المرممين المصريين فتح التابوت الأثرى. وتمت عملية رفع الغطاء وسط تلك الإجراءات الأمنية المشددة. وتم فتح غطاء التابوت بنحو خمسة سنتيمترات. ثم تم الانتظار مدة ساعتين؛ لتهوية التابوت قبل رفع المكتشفات المتوقعة. ثم تم استكمال فتح غطاء التابوت بالكامل وعند فتح التابوت، وُجد فيه سائل أحمر اللون وعدد من الرءوس البشرية. وتمت الاستعانة بمضخات رفع من القوات المسلحة؛ لشفط ذلك السائل الأحمر، والذى اعتقد البعض خطًأ أنه سائل الزئبق الأحمر. والحقيقة، فإنه لا يوجد أى شيء فى علم الآثار المصرية يمكننا أن نطلق عليه الزئبق الأحمر على الإطلاق.

وقام المرممون بسحب عينات من السائل الأحمر، الذى كان بداخل التابوت بكثافة. وتم إرسالها إلى المعامل المركزية بالمجلس الأعلى للآثار؛ لتحليلها، والتعرف على نوعية ذلك السائل. وتم إدخال خراطيم بين فتحة غطاء التابوت، التى تم فتحها بمقدار خمسة سنتيمترات، والقاعدة الخاصة بالتابوت؛ لشفط السائل الموجود إلى خارج الموقع. وكانت المفاجأة أن تغير لون السائل الأحمر فور إخراجه من التابوت إلى لون غريب غير معروف المعالم.

لا يمكن أن يُنسب ذلك التابوت إلى الإسكندر الأكبر؛ بسبب تواضع التابوت، ودفنه فى مكان غير مجهز يليق بالإسكندر الأكبر؛ إذ كان تابوت الإسكندر الأكبر له صفات محددة ومعروفة لنا، كما ذكرت النصوص التاريخية والأثرية فى هذا الشأن؛ فضلاً عن أن التابوت أملس، وخالٍ من النقوش من الخارج. ولم تتم كتابة اسم الإسكندر الأكبر عليه؛ ومن ثم فهو لا يخص الإسكندر الأكبر لا من قريب ولا بعيد.

ولا نعرف، على وجه التحديد، من أطلق تلك الأكذوبة السخيفة، ونسبه إلى الإسكندر الأكبر فى موقع قريب من سطح الأرض يعود إلى العصر الرومانى، بينما آثار الإسكندر الأكبر غالبًا تعود إلى بدايات العصر البطلمى فى نهايات القرن الرابع وأوائل القرن الثالث قبل الميلاد، وفى طبقة أثرية أكثر عمقًا من الطبقة التى تم اكتشاف تابوت سيدى جابر فيها.

إن تابوت سيدى جابر، الذى شغل الرأى العام العالمى، ربما كان يخص أحد الشخصيات المهمة، وليس الإسكندر الأكبر، أو أى ملك بطلمى أو أى إمبراطور روماني؛ نظرًا للحالة البسيطة للمقبرة التى وُجد بها؛ ولعدم عظم وفخامة التابوت؛ ولعدم وجود أى نقوش مكتوبة على أسطح التابوت تذكر صاحبه.

والحمد لله، وعند فتح ذلك التابوت، لم يصب العالم بلعنة الفراعنة، ولم يحدث أى شيء غير طبيعى على الإطلاق. وبذلك انتفت كل الأكاذيب التى أطلقها العديد من الناس فى مصر أو فى العالم، سواء من المتخصصين أو من المهتمين أو من الجمهور العام، أثناء اكتشاف ذلك التابوت وقبل فتحه.

وفى النهاية، تم نقل التابوت إلى منطقة آثار مصطفى كامل بالإسكندرية. ولايزال موجودًا بها، كتابوت عادى تمامًا، وصار مجردًا من كل الدعاية والهالات والبروباجندا التى أثيرت بشأنه منذ عدة سنوات.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق