رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شاب لا أنساه

أحمد البرى;

أنا سيدة من الإسكندرية تجاوزت سن الرابعة والسبعين، وكنت قبل إحالتى للمعاش أعمل موجهة بالتعليم الثانوى، وتعودت على قراءة بريدكم الشهير، وقد تذكرت موقفا تعرضت له منذ سبع سنوات، وكانت له تداعياته فيما بعد، وأردت أن أطلعكم عليه، ففى ذلك اليوم خرجت من منزلى للتسوق فى منطقة قريبة من محطة أبى قير، وعند مرورى بالمحطة فوجئت بمنظر أفزعنى.. شاب سقط من باب القطار المفتوح على الأرض، والدم يغطى وجهه، وكل من يراه يبتعد عنه، ويمضى فى طريقه، ودفعتنى غريزة الأمومة للذهاب إليه، وقد أخرجت مجموعة من المناديل الورقية من حقيبتى، وساعدته فى مسح الدماء التى انسابت بغزارة، والحمد لله أنه أصيب بجرح واحد فوق حاجبه، وسألته عن رقم هاتف والدته أو والده، فقال إنهما متوفيان، وإنه المسئول عن إخوته الصغار، وأنه يعمل فى مجال «المحارة»، ويدرس فى الوقت نفسه فى مدرسة ثانوية صناعية، وأرانى بطاقته الشخصية، واتصلت بزوجى واستأذنته فى اصطحاب هذا الشاب إلى مستشفى فى منطقة «سيدى بشر» القريبة من موقع الحادث، والتى أسكن بها، فطلب أن يراه بعد عمل اللازم له فى المستشفى، حيث إن زوجى كان مريضا وملازما للفراش، وليس باستطاعته المجىء إلينا، وأخذت الشاب إلى مستشفى «جيهان» وأجريت له جراحة لـ «خياطة الجرح»، ودفعت عشرين جنيها، فأقسم الشاب أن يرد «هذا الدين» لى بعد أسبوع، فأقسمت أنا الأخرى أننى لن آخذ منه مليما واحدا، فهو مثل ابنى تماما.

والحقيقة أننى لمست فيه حياء لم أجده فى كثيرين غيره، وجاء معى إلى المنزل ورحب به زوجى، وقدمنا له طعام الإفطار فتناول قليلا منه، وقدم له زوجى مبلغا من المال، فأبى أن يأخذه، وانصرف وهو يؤكد أنه سيعود بعد أسبوع لرد «العشرين جنيها»!.. وكنت قد عرفت قصة سقوطه من القطار، وهى أن أحد اللصوص سرق هاتفه المحمول فى أثناء ركوبه القطار، ولما ضبطه، دفعه السارق من باب القطار الذى كان يسير بسرعة كبيرة.

وبالفعل جاءنا الشاب بعد أسبوع ومعه عمه، وشكرانا وقدما مبلغ «العشرين جنيها», فأبينا أن نأخذها.. وفجأة دخلت علينا زوجة ابنى، وظلت تصرخ قائلة: «أخرجوا هؤلاء من المنزل.. إزاى تجيبى واحد ماتعرفهوش من الشارع.. تلاقيه يا ستى متعاطى مخدرات واهتز به القطار واترمى على الأسفلت.. لازم يمشى دلوقتى».. وهنا لم يدع الشاب وعمه الفرصة لأى كلام معهما وخرجا من المنزل، وهما يضربان كفا بكف.. وثار زوجى على زوجة ابنى، وقال لها إنه لا يصح ما فعلته، ولكن ابنى أيدها عندما علم بما حدث!

وبعد ثلاثة شهور مرض زوجى، ورحل عن الحياة، ومرت فترة طويلة قبل أن أحصل على معاشه، وانحصر دخلى فى معاشى من التربية والتعليم، ولى ابن آخر حاصل على مؤهل عال، ومتزوج، وقد أصيب بمرض نفسى، وتوقف عن تعاطى الدواء بعد وفاة أبيه، وتدهورت حالته، فاتصلت بصديقة لى لكى تدلنى على مستشفى أنقل ابنى إليه، فلم تجد سوى مستشفى خاص، وأقسمت صديقتى ألا أتكلم معها عن أى تكاليف للعلاج، وقالت إنها ستأخذها بعد أن أحصل على معاش من زوجى، ودفعت مبلغ ألفى جنيه، وتحسنت حالة ابنى، وتسلمت المعاش، وذهبت إليها، وقدمت إليها المبلغ المذكور شاكرة اهتمامها، فأقسمت لى بأنها لم تدفع شيئا، وأن هذا المبلغ من صديقة لها يعانى ابنها المرض نفسه ويعالج بهذا المستشفى وهى التى دلّتها عليه، ورفضت بإصرار.

.. وقتها تذكرت «الجنيهات العشرين» التى عالجت بها الشاب اليتيم المكافح فى الوقت الذى كان فيه زوجى «طريح الفراش» قبل رحيله رحمه الله، وهو الذى شجعنى على عمل هذا الخير.. عشرون جنيها ردها الله إلينا ألفى جنيه.. ليتنا ندرك أن عمل الخير ليس له مردود إلا خيرا أفضل منه.. والحمد لله رب العالمين.

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

ما فعلتيه ـ يا سيدتى ـ مع الشاب المكافح، هو عمل من أعمال الخير التى تحدث عنها القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة فى مواضع كثيرة يصعب حصرها، ومردودها عظيم، ومن الآيات الواردة فى ذلك قوله تعالى «وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ» (البقرة 197)، وقوله: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ» (الحشر9)، وقوله «وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرا» (المزمل20).

ومن أحاديث رسول الله «أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِى عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ فى حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن اعتكِفَ فى هذا المسجدِ يعنى مسجدَ المدينةِ شهرا، ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه؛ ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضا، ومن مشى مع أخيه فى حاجة حتى يَقضِيَها له؛ ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدامُ»، وأيضا: «صنائعُ المعروفِ تقى مصارعَ السَّوْءِ وصدقةُ السرِّ تطفئُ غضبَ الربِّ، وصلةُ الرحمِ تزيدُ فى العمرِ».. أيضا قال: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فقالوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، فمَن لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: يَعْمَلُ بيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ ويَتَصَدَّقُ قالوا: فإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: يُعِينُ ذا الحاجَةِ المَلْهُوفَ قالوا: فإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: فَلْيَعْمَلْ بالمَعروفِ، ولْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فإنَّها له صَدَقَةٌ.

إن الله يرى الخير الذى يفعله المرء صادقا مخلصا، ويحث عباده عليه، ودليل ذلك قوله تعالى«وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» (البقرة215)، فما أعظم العمل والمرء يستشعر أن الله بقدره وجلاله يرى ما يفعل من الخير مما يجعل فى ذاته رغبة مستمرة لفعله، وهذا لا يغنى عن جمال الجزاء والثواب الذى سيناله من بديع السماوات والأرض، إذ وعد الله فاعل الخير بالجنة والنعيم المقيم الأبدى، فرضا الله من أعظم المطالب عند بيان جزائه يوم القيامة، لقوله تعالى: «وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» (التوبة 72)، وذلك أعز ما يسعى الإنسان لأجله.

وتزكية النفس قائمة على الخير، والأعمال الصالحة سبيل للسعادة والراحة فى الدنيا والآخرة حيث تتطهر النفس بها وتتخلص من حب الدنيا، وتتحصل محبة الناس بالأخذ بأسبابها من عمل الخير لهم ومساعدتهم فيحببهم الله فيه، كما أنه يقودنا إلى بناء مجتمع متعاون ومتكامل وقوى يقدم الكل فيه أفضل ما لديه، ويقوّى العلاقات بين الناس.

ومن مجالات المساعدة، تفريج الكروب، كمساعدة المدين أو الواقع فى مشكلة فى الطريق مثلا حتى لو لم تعرفه، فمن فرج كربة عن مسلم فى الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، وإن الصدقة على الفقراء والمحتاجين تدفع الضرر وتجلب الخير والبركة لفاعلها، فهى من أفضل أعمال الخير وأعظمها عند الله.

وما فعلتيه يا سيدتى هو الخير بعينه، وقد عاد إليك أضعافا مضاعفة، وليت ابنك وزوجته يدركان ذلك، فحتى وإن كانا حريصين على التحرى عن ذلك الشاب، من باب الأمان، والاطمئنان إلى سلوكياته، وبأنه لن يستخدم معرفته بك فيما هو شر فيما بعد، فإن الطريقة التى أراقا بها ماء وجهه هو وعمه غير لائقة، وكان من الممكن أن يتبعا أسلوبا آخر للوقوف على حقيقة الأمر.. وعلى كل حال لعلهما يتعلمان الدرس مما حدث، وأسأل الله أن يديم عليك الستر، وأن يكتب لابنك المريض الشفاء العاجل، وهو على كل شىء قدير.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق