رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

محمود أمين العالم ــ 3

فى هذه المقالة أتحدث عما كان بينى وبين محمود أمين العالم من صلات، وكنت قد أشرت فى مقالتى الأولى عنه إلى الأيام التى قضيتها بالقرب منه فى «روزاليوسف» حوالى عام 1956، لكن هذه كانت فترة عابرة لم تستغرق وقتا ولم تترك أثرا يذكر. ومرت الأيام لتحقق لنا فى فرنسا شيئا مما لم يتحقق فى مصر. فقد اجتمعت عدة أسباب هيأت لى أن أقوم بزيارة لباريس تحولت إلى إقامة ممتدة أكثر من ستة عشر عاما اشتغلت خلالها بتدريس الأدب العربى فى جامعة باريس. والذى حدث معى حدث مع محمود أمين العالم الذى عرض عليه أيضا أن يدرس الفكر العربى الحديث فى الجامعة ذاتها، وهكذا أصبحت الفرصة متاحة للقاء والحوار حول الشعر وحول السياسة.

>>>

فى العام الذى صدر فيه كتاب محمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس «فى الثقافة المصرية» نشرت لى مجلة «الرسالة الجديدة» قصيدتى الأولى التى قدمتنى لقراء الشعر وعنوانها «بكاء الأبد».

فكان لابد من ردود أفعال متبادلة بينى وبين الكتاب الذى لم أكن فى وضع يتيح لى أن أتعرف على مؤلفيه. فقد كنت فى العشرين من عمرى طالبا لم أنه دراستى بعد، أعيش خارج القاهرة ولا استطيع الاتصال بحياتها الثقافية إلا عن طريق المجلات والصفحات الأدبية التى كانت فى ذلك تؤدى دورها بنشاط وتتابع ما يجرى خاصة فى تلك السنوات التى كانت عامرة بالمواهب الجديدة المكتشفة فى الشعر والقصة والنقد، رغم ما شهدته من تجارب عنيفة.

فى تلك الأيام صدر كتاب العالم وأنيس فأثار اهتماما واسعا لأنه لم يكن مجرد تبشير بأدب جديد، بل كان أيضا تبشيرا بفكر جديد ونظم سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة. كان تبشيرا بثورة شاملة. وهذا ما فهمه الأستاذ عباس محمود العقاد فقال فى الرد على المؤلفين «إننى لا أناقشهما، وإنما أضبطهما.. إنهما شيوعيان!». أما عميد الأدب فقد تجنب الرد المباشر واكتفى بأن قال عن الكتاب إنه «يونانى فلا يقرأ»!.

لكن رد طه حسين والعقاد لم يعفهما من أن يكونا فى نظر القراء الطرف المقابل فى المناقشة التى اتسعت وفرضت على كل من تابعها أن يختار موقفه فيها، مع المحافظين الذين كان تأثيرهم فى ذلك الوقت يضعف ونشاطهم ينحسر فلا يملكون إلا أن يقفوا موقف الدفاع عن أنفسهم بالصمت أحيانا وبالردود الجانبية أحيانا أخري؟ أم مع المجددين الذين كانوا يزدادون قوة يوما بعد يوم، لأنهم لم يكونوا قد حصلوا بعد على ما يمكن أن يفقدوه، ولأن طاقتهم وهم فى حوالى الثلاثين من أعمارهم تتجدد كل يوم.

وفى تلك الأيام نشرت قصيدتى «بكاء الأبد» فى مفاجأة لم أتوقعها، قرأها شاب مثقف من بلدتنا وحملها إلى القاهرة ليطلع عليها صديقه الكاتب محمود سالم الذى كان يبدأ طريقه فى الصحافة، ومن محمود سالم انتقلت القصيدة إلى صديق لهما هو القصاص صبرى موسى الذى كان يعمل فى مجلة «الرسالة الجديدة» التى انشأها يوسف السباعى لتحل محل مجلة أحمد حسن الزيات «الرسالة» فيتحمس لهما المسئول عن النشر وينشرها لأفاجأ بها منشورة ومن بعدها قصيدة أخرى سميتها «عشرون عاما» لأنى نظمتها حين بلغت العشرين، ومن ثم يبدأ الحوار الذى كان صامتا غير مباشر بينى وبين كتاب العالم وعبدالعظيم خاصة بينى وبين دراسته المنشورة فى الكتاب عن الشعر المصرى الحديث التى كان فيها العالم منحازا بوضوح لحركة التجديد التى تحررت من وحدة البيت ووحدة القافية، واعتمدت على المجاز، وانفتحت على لغة العصر وعلى همومه وقضاياه.

وقد بدأ المصريون تجاربهم فى تجديد الشعر فى ثلاثينيات القرن الماضى وأربعينياته على أيدى أحمد زكى أبو شادي، وخليل شيبوب، وعلى أحمد باكثير، ولويس عوض حتى أصبحت هذه التجارب فى الخمسينيات حركة نشيطة. وقد تحمس محمود أمين العالم لهذه الحركة وانحاز لها فى كتابه، لكنه لم يوفها حقا فى التقديم، فى الوقت الذى ظلم فيه الإحيائيين والرومانتيكيين الذين لولاهم لما نهض الشعر ولما ظهرت فيه هذه الحركة الجديدة التى لم يكن أحد يتصور أنها ستخرج على الأصول الموروثة فى الشعر العربى وتظل مع ذلك استمرارا له.

هكذا احتفى محمود العالم بحركة التجديد وله الشكر، وقدم نماذج من قصائد ممثليها عبدالرحمن الشرقاوي، وصلاح عبدالصبور، ونجيب سرور، وأحمد كمال زكى وغيرهم. لكنه أعطى من اهتمامه لمضمون الشعر أكثر مما أعطى لشكله. إنه يأخذ على الإحيائيين الذين بدأوا نشاطهم فى النصف الأخير من القرن التاسع عشر لغتهم التقريرية الخالية من الصور ومن التعبير الذاتي. وهذا مالا يصح أن ينسب للإحيائيين وحدهم، لأنهم كانوا ينقلون عن القدماء فمن الطبيعى أن يتأثروا بلغتهم وأن يكونوا أوفياء لها حتى يملكوها وعندئذ يمكنهم أن يخرجوا عليها ويكتشفوا لغة عصرهم، وهذا هو الذى حدث. فقد رجع البارودي، وتوفيق البكري، ومحمد عبدالمطلب إلى الجاهليين والعباسيين. وجاء شوقى وحافظ، ومطران ليتخففوا من هذه الفصاحة القديمة ويقتربوا من لغة العصر الذى نعيش فيه. ثم جاء الرومانتيكيون ليذهبوا باللغة إلى مدى سمح للمجددين بأن يقدموا ما قدموه.

>>>

هذا الحوار الذى بدأ قبل ستين عاما ظل يتجدد حتى هذه الأيام التى نحتفل فيها بالذكرى المئوية الأولى لميلاد محمود أمين العالم. بدأ فى مصر صامتا يدور من بعيد كما ذكرت.

فى فرنسا كنا نتحاور فى السياسة، وكنا نتفق أحيانا، وكنا نختلف أحيانا إلى حد العجز عن مواصلة الحوار. وكنا نتحاور بالطبع حول الشعر فى فرنسا وبعد عودتنا إلى مصر نتفق ونختلف كما فعلنا حين نشرت مقالاتى حول قصيدة النثر.

وهى قضية نؤجل الحديث عنها إلى الأسبوع المقبل.


لمزيد من مقالات بقلم ـ أحمد عبدالمعطى حجازى

رابط دائم: