رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل استعد العالم لعودة طالبان؟

تزامن الانسحاب الأمريكى والدولى من أفغانستان بسيطرة حركة طالبان على المزيد من الولايات الأفغانية، وملء الفراغ الناتج عن هذا الانسحاب. بدأ هذا المسعى من جانب الحركة فى المناطق الريفية، لكنه سرعان ما تحول إلى محاولة للسيطرة على المدن الكبري، خاصة قندهار وهيرات وهلمند. وفى ضوء فشل الحوار بين الحركة والحكومة الأفغانية -حتى الآن- فإن الاتجاه الأغلب هو استعداد الطرفين إلى مرحلة من المواجهات العنيفة، ليس من المؤكد قدرة الحكومة الأفغانية على حسمها لمصلحتها فى ظل وجود قرار استراتيجى أمريكى بتخفيض حجم التزاماتها تجاه أفغانستان والخروج من هناك مهما تكن التداعيات، بالإضافة إلى مظاهر ضعف الجيش الأفغاني.

هذا الواقع الآخذ فى التشكل فى أفغانستان يفرض العديد من التساؤلات السياسية والأخلاقية المهمة. أول تلك التساؤلات يتعلق بمستقبل الحرب على الإرهاب التى مثلت بندا رئيسا فى أجندة النظام العالمى والسياسات الدولية، والتى تم تدشينها عقب أحداث سبتمبر 2001، والتى طُرح فى إطارها مجموعة من الفرضيات حول وجود علاقة قوية بين ظاهرتى الدولة الفاشلة والأنظمة غير الديمقراطية، من ناحية، وانتشار الإرهاب والتنظيمات الإرهابية من ناحية أخري، الأمر الذى أسس لرواج تيار سياسى دافع عن توسيع مسئوليات القوى الكبرى -الولايات المتحدة والناتو بالأساس- فى مجال التدخل لإعادة بناء الدول الفاشلة ونشر الديمقراطية فى العالم، حتى لو اقتضى ذلك التدخل العسكرى وإزاحة نظم سياسية قائمة، وهى اللافتة التى تم على أساسها غزو أفغانستان والعراق. وطرح البعض هنا مفاهيم محددة لتأطير هذا التدخل/ المسئولية الدولية، مثل الوصاية الدولية الجديدة والإمبريالية الجديدة. وأعاد البعض الحديث عن الرسالة الحضارية للقوى الكبري.

إن فشل المشروع الأمريكى فى أفغانستان، واضطرار الولايات المتحدة الجلوس مع طالبان - بعد عقدين من المواجهات العسكرية- وتوقيع اتفاق انطوى على تقديم تنازلات أمريكية ضخمة للحركة، والاعتراف بها كطرف سياسى مسئول فى أفغانستان (عن عدم تحول أفغانستان إلى ملاذ للتنظيمات الإرهابية وعدم تحولها إلى نقطة انطلاق لأى تهديد للولايات المتحدة أو حلفائها) يثير تساؤلات كبيرة حول مستقبل الحرب على الإرهاب، بل ومصداقية هذه الحرب مستقبلا، ومدى خضوعها لقواعد قانونية وضوابط سياسية معيارية. الحالة الأفغانية لن تنال فقط من هذه المصداقية، لكنها ستنال أيضا من مصداقية أى خطاب دولى حول المسئولية - السياسية والأخلاقية أو التنموية- للنظام العالمى والقوى الكبري، خاصة الغربية، وحول مفهوم التدخل الدولى ذاته، وما ارتبط به من دوافع ومبررات سياسية وأمنية وقيمية. وتزداد خطورة هذه التداعيات فى ظل عدم وجود أى مؤشر يدعم التزام طالبان بفك ارتباطها بتنظيم القاعدة فى أفغانستان (وهو الالتزام الوارد على الحركة فى اتفاق فبراير 2020 مع الولايات المتحدة)، وعدم وجود أى مؤشر يدعم حدوث تغير جوهرى فى البناء الفكرى والأيديولوجى لطالبان، خاصة طبيعة إدراكها للعالم والسياسات الدولية والآخر (السياسى والدينى والعرقي). لقد جادل البعض بأن خبرة 2001 دفعت الحركة إلى مراجعة أفكارها، وأننا بتنا أمام صيغة جديدة من طالبان وصفها البعض بالطبعة الثانية من طالبان (Taliban 2.0). لكن سلوكيات عديدة للحركة لا تدعم هذا الافتراض، أبرزها استمرار تمسكها بالعنف كوسيلة أساسية للتفاعل مع باقى الأطراف والقوى السياسية وكوسيلة، من ثم، للعودة إلى الحكم، بجانب تورطها فى قتل المدنيين، ما يعنى عدم حدوث تحول ملموس فى تكييفها وتأسيسها الشرعى لمفهوم الجهاد، وغيرها.

من ناحية ثانية، هناك تساؤلات أخرى تتعلق بانعكاس هذه التطورات على الصراع العالمي. لقد تزامنت تطورات الملف الأفغانى مع مرحلة شديدة الأهمية فى مسار تطور النظام العالمي، تتسم بتصاعد مستوى وحجم التفاعلات الصراعية على قمة هذا النظام، سواء فيما يخص العلاقات الأمريكية- الصينية، أو العلاقات الأمريكية- الروسية، الأمر الذى أدى إلى تحول العديد من القضايا والأزمات، الدولية والإقليمية، إلى موضوع للصراع، واتجاه الولايات المتحدة إلى الانسحاب أو تقليل ارتباطها ببعض الملفات استعدادا للتفرغ لمواجهة الصين كشرط رئيسى للحفاظ على حالة الهيمنة الأمريكية على قمة النظام العالمي. الملف الأفغاني، والساحة الأفغانية، لن يكونا -فى الأغلب- استثناء من هذا التوجه. الانسحاب الأمريكى من أفغانستان قد لا يعنى فقط التفرغ لمواجهة الصين، لكنه قد يعنى أيضا سعيا أمريكيا إلى خلق منطقة فوضى على تخوم الصين وروسيا. لقد بدأت بالفعل عملية الاصطفاف الدولى والإقليمى داخل أفغانستان, عبر عنها سعى الصين وروسيا، بالتنسيق والتعاون مع باكستان، لفتح قنوات اتصال وبناء توافقات مع طالبان، فى مواجهة إعلان أمريكى عن استمرار الدعم للحكومة الأفغانية، بما فى ذلك استئناف العمليات العسكرية ضد طالبان، وذلك رغم الاتفاق الموقع مع الحركة فى فبراير 2020. هذا الدعم الأمريكى لن يكون كافيا بالتأكيد لتحقيق الجيش الأفغانى انتصارا واضحا على طالبان، لكنه قد يكون أيضا شرطا لاستمرار مرحلة طويلة مطلوبة -أمريكيا- من الحرب الأهلية وعدم الاستقرار فى أفغانستان.


لمزيد من مقالات د. محمد فايز فرحات

رابط دائم: