رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تلك النغمة

د. محمد يونس;

نظر الضابط نظرة سريعة إلى وجهه ثم عاود النظر فى جواز السفر وطبع الختم إيذانا بالمرور، تسلم الجواز وبطاقة السفر وتأكد من رقم بوابة الصعود، لا يزال أمامه ساعتان قبل موعد الإقلاع، تجول فى السوق الحرة قليلا، ربما هذه المرة سوف يتخلص منها ولكن هيهات.

عاد إلى ساحة الانتظار، وضع حقيبة اليد أمامه وتمدد بجسمه فى محاولة لأخذ اكبر قسط من الراحة قبل مواصلة الرحلة، تجول فى الوجوه المحيطة لعله يجد صديقا مصادفة.عادت النغمة ذاتها مغلفة بالهواجس الهلامية.

كل مرة ينوى فيها السفر، ينتابه حنين لا يعرف لمن، وهموم مجهولة المصدر مكسوة بحزن عتيق، أسئلة ودوائر مفرغة وتهاويم رمادية تجتاح دواخل النفس، عاد برأسه إلى الوراء باحثا عن غفوة او هروب.....

سرعان ما تدفقت ذكريات باهتة من زمن الصبا..

تنطلق السيارة تقطع بصوتها الجهورى صمت الطريق، ويشق ضوء مصباحيها الأماميين ظلام الليل الدامس، تقف على الجانبين عيدان قصب السكر، حرس شرف يودعه. يموج ذهنه بالأمل المقبل والعالم الجديد، العاصمة التى حفرت مكانها فى ذهنه منذ أمد بعيد عندما لامست قدماه شوارعها النظيفة فى رحلة علاج.. صمت أمه الحزين المختبئ فى عينيها الساكنتين، ووقفتها لأول مرة أمام باب البيت الخارجى، تحتفظ تحت جفنها بلقطة تخشى أن تكون أخيرة لوجه اول ابنائها.. دموع أخوته البنات.. حرص والده على ذكر فوائد السفر السبع وهو يربط الحقائب بما حوت من خبز الأم وأطعمة لسد رمق الأيام الأولى.. أحلام كبيرة تنساب عن الجامعة العريقة وكلية القمة.

يتردد فى ذهنه ما انشده والده موجها بصره إلى الأم التى تدعى انشغالها بتجهيز أخر حقيبة سفر بينما تتوجس فى قلبها خيفة من فراق قد يطول، انشد والده ابيات الشافعي:

»سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِى النَّصَبِ

إنى رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ

والأسدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست والسَّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يصب»

تواصل السيارة طريقها فى تصميم ميكانيكى على الرحيل. يظهر من بعيد ضوء خافت من أخر بيوت القرية وفانوس معلق على شجرة الجميز العتيقة أمام باب المنزل.تنعطف بعده السيارة لتعبر جسر يقطع ترعة الفؤادية التى ابتعلت منذ ايام جسد صديقه. وشهد شاطئها الصغير لعبهما معا، صيدهما بصنارته، وبقايا أعواد القصب التى كانا يمصانها معا تحت أشجار الصفصاف.

وصلنا.. قالها السائق وهو يهم بفتح الباب،ليحمل الحقائب إلى داخل المحطة.

نغمة ناى حزين تنساب من منزل قريب، وتيار الهواء البارد الذى لفح وجهه لم يبطلا معارك داخلية فى قلبه مغلفة بمسحة حزن فشلت أمه فى إخفائها عن وجهها عندما احتمت بابتسامة مصطنعة أثناء الوداع.

صفارة القطار المتجه إلى الشمال سبقته إلى المحطة، تزامن معها وقوف الركاب على الرصيف محملين بشنط وأمال وحسرة.

كتم خوفه وودع والده وصعد القطار سريعا، وفى عكس اتجاه المسير كانت ذكريات تسير بنفس السرعة مغلفة بحزن متوار وصوت نغمة ناى حزين،عزلته من محيط الركاب.

بدأت الرحلة ولا يعلم كيف تنتهى.

مرت ملامح محطات قطار ومطارات ومدن كثير زارها ورحل عنها، ولكن صاحبه فيها شئ واحد لا يمكن التخلص منه.. تدثر بوجوه الأولاد على هاتفه المحمول،صور الجوائز التى كسبها تقديرا لتفوقه، أغلفة كتبه. دفن وجه فى الصحيفة.. فى الرواية، لكن ظلت تلك النغمة الحزينة تباغته.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق