رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

السد الإثيوبى من الملاينة إلى المخاشنة

النيل ليس مجرد مصدر مياه لا حياة دونها ولكنه بالنسبة لأبناء مصر وطن يعيش فيهم. ولا يطيقون أن يمسه مكروه، وهو شعور لازمهم منذ فجر التاريخ حتى أصبح أحد المكونات الرئيسية لطبيعة الشعب المصرى مثله مثل حب الوطن. والحقيقة أن حكام الحبشة لم يراعوا مشاعرنا فى أفعالهم ولا فى أقوالهم. مما أوجد حالة من الغضب الصامت الذى تحول مع مرور السنين إلى ترقب وقلق. وقد شعر الرئيس بما يؤرق أبناء الوطن فسعى إليهم مطمئنا ومؤكدا قدرة الدولة على حماية النيل فى كل الظروف وقد وصلت الرسالة وهدأت النفوس. ومع ذلك فمن يمعن النظر فى التطورات الأخيرة سيجد أن كلمة وزير الخارجية سامح شكرى أمام مجلس الأمن فى الجلسة المنعقدة بتاريخ 8/7/2021 تمثل تحولا صريحا فى مجرى الخلاف الذى نشأ بين إثيوبيا ومصر والسودان بشأن السد. وقد أخطر الوزير المجلس بأن المفاوضات الثلاثية الجارية تحت مظلة الاتحاد الإفريقى لم تسفر عن اتفاق بين الأطراف بسبب تمسك إثيوبيا بموقفها الرافض لأى اتفاق ملزم. كما أعلن الوزير أن إصرار إثيوبيا على الانفراد بالتحكم فى مياه النيل الأزرق التى تمثل نحو 80% من إيراد مصر المائى يشكل تهديدا وجوديا يعرض شعبها للموت عطشأ. وحذر شكرى أن مصر سوف تدافع عن حق شعبها فى الحياة بكل الوسائل. إذن القضية قد انتقلت من ساحة الملاينة الى ساحة المخاشنة متعددة الأشكال وممتدة المراحل. فمرحلة الملاينة قد استمرت عشر سنوات تغيرت فيها موازين القوى بين الأطراف الثلاثة ما بين فبراير 2011 ويوليو 2021 لندرك مدى الطبيعة الممتدة لهذا الصراع.

أولاً: إثيوبيا فى فبراير 2011 كانت تحت حكم زيناوى وكان النظام الفيدرالى الذى ضمن الدستور الجديد قد خفف حدة الصراع العرقى بعض الشىء وضمن قدرا من الاستقرار، استطاعت إثيوبيا أن تحقق معدل نمو اقتصادى سنوى يزيد على 10% لعدة سنوات وهو ما أوحى ببزوغ نمر جديد على الساحة الافريقية.

ثانيا: كان الوضع فى مصر فى فبراير 2011 فى حالة فوضى عارمة بسبب تعرضها لرياح ما عرف بالربيع العربى فقد سقط النظام القائم وانهار مع سقوطه الجهاز الأمنى. وأصيبت أجهزة الدولة بالشلل التام. ولم يبق إلا مجلس عسكرى مستغرق تماماً فى الحفاظ على ما تبقى من امكانات لتفادى الانهيار العام.

ثالثا: السودان فى فبراير 2011 كانت تحت حكم البشير رافع لواء الدولة الدينية فصادر الحريات وحطم الاقتصاد ونشر الفساد، ومزق الوحدة الوطنية وانفصل الجنوب واشتعلت الحروب الأهلية، وأصبحت السودان ملاذاً لكل جماعات الإرهاب وناصبت مصر العداء وتآمرت عليها لحساب التنظيم الدولى للإخوان، ولم تجد اثيوبيا عنتا فى استمالة نظام البشير ببعض الوعود ومسايرته فى رغبته فى الكيد لمصر. وعلى ضوء هذا الوضع القائم فى فبراير 2011 أعلنت إثيوبيا البدء فى بناء السد الضخم على النيل الأزرق وتزامن هذا الإعلان مع إطلاق حملة إعلانية ضخمة ضد مصر وذلك بهدف توحيد الداخل فى مواجهة عدو خارجى. وقد استمر الوضع على حاله عدة سنوات استطاعت إثيوبيا خلالها أن تقطع شوطا بعيدا فى إقامة البناء وأن تجيش الشعب الإثيوبى خلف المشروع بصفته أساس النهضة المقبلة. ولكن الأمور اتخذت اتجاها آخر بالنسبة للدول الثلاث فما هو الوضع الآن فى يوليو 2021.

أولا: إثيوبيا: توفى زيناوى فجأة وبدأت الصراعات العرقية تعود ثانية الى الساحة الاثيوبية وتزداد اتساعا وحدة لأسباب بعضها هيكلى والبعض الاخر مستجد أهمها عدم الشعور بعدالة توزيع ثمار التنمية، وأمام هذه الأحداث قرر الحزب الحاكم الدفع بأحد القيادات المنتمية لعرق الأورمو الذى يمثل الأكثرية لعل فى ذلك تهدئة للوضع للاستقرار. فأصبح آبى أحمد رئيساً للوزراء. وأدخل بلاده فى صراعات واستخدم الجيش الإثيوبى لغزو اقليم تيجراى وارتكاب مذابح إبادة وجرائم ضد الإنسانية ضد شعب التيجراى مما أساء لموقف إثيوبيا الدولى والاقليمى. لكن المقاومة فى اقليم التيجراى استطاعت أن تهزم جيش آبى أحمد وانكسرت حلقة النمو الاقتصادى التى لا بقاء لها فى ظل حروب آهلية. ودخل النظام فى حلقة خبيثة ومعروفة وهى البحث عن انتصار خارجي. وها هى إثيوبيا تصطنع صراعا حدوديا مع السودان قد يتكرر ذلك فى حدود أخرى.

ثانيا: فيما يتعلق بمصر فقد استطاع الشعب المصرى وقواته المسلحة فى 30 يونيو أن يتخلص من الحكم الإخوانى ويستعيد الأمن ويصحح دستوره ويستكمل المؤسسات السياسية، أى بعبارة أخرى أن يعيد الدولة الوطنية المصرية الحديثة. ثم بدأ مرحلة إعادة البناء على جميع الأصعدة بما فى ذلك قوة مصر الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية. كما استعاد مكانتها الاقليمية والدولية. وهو وضع لا يقارن بما كان عليه فى فبراير 2011.

ثالثا السودان: ثار أبناء السودان على حكم البشير وأسقطوه وأدركت الحكومة الجديدة مخاطر هذا السد ومفاسده، وأدركت أيضا أن الجغرافيا والتاريخ كليهما جعلا من شعبى الوادى جسدا واحدا. وهى حقيقة وضعها نظام الحكم المصرى بعد 30 يونيو نصب عينيه. إن ميزان القوى بين أطراف الصراع الدائر حول السد قد انقلب رأسا على عقب فى 2021 عما كان عليه فى 2011 - ولم تعد الخيارات المتاحة أمام مصر والسودان للدفاع عن حقوقهما فى مياه النيل الأزرق محصورة بين المفاوضة الناعمة أو الحرب بل للمفاوضات عدة أشكال. ويكفى أن نؤكد ان الصراع الدائر حول السد سوف يلعب فيه الردع دورا أكبر من العنف دون أن ينفى أحدهما الآخر تماماً. وان العمل الدبلوماسى لن يتوقف فى جميع المراحل وعلى التحرك الاعلامى أن يواكب المرحلة الجديدة. فالعقل اليوم هو عصب الصراع الجاري.


لمزيد من مقالات محمود أباظة

رابط دائم: