رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل كان تأميم القناة ضروريا؟

فى مثل هذا اليوم من عام ١٩٥٦ أعلن الرئيس جمال عبد الناصر فى خطابه السنوى بميدان المنشية بالإسكندرية تأميم قناة السويس لتصبح ملكا خالصا لمصر بعد أن كانت شركة أجنبية ليس لمصر سلطة عليها ولا تتحصل إلا على ٥٪ فقط من إيراداتها. ورغم مرور أكثر من ستة عقود على قرار التأميم فإننا مازلنا نجد من يشككون فى جدوى ذلك القرار الذى جلب علينا العدوان الثلاثى فى نوفمبر من نفس العام، رغم أن ذلك العدوان لم ينل منا بل زاد من قوة مصر السياسية وأكد دورها القيادى فى العالم الثالث، حيث صارت مصر بعد ذلك مثالا لدول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية الساعية إلى التحرر والاستقلال والتحكم فى مقدراتها الوطنية، وللزعيم الكوبى فيدل كاسترو قول معروف يؤكد فيه أن تأميم عبد الناصر قناة السويس كان هو الملهم للثورة الكوبية التى قامت بعد بضع سنوات من تأميم قناة السويس بتأميم جميع مصافى النفط الأمريكية فى أراضيها، وذلك فى الوقت الذى أدى فيه العدوان الثلاثى إلى انهيار الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة البريطانية منها والفرنسية.

ويعتمد من ينتقدون قرار التأميم على مقولة إن قرار التأميم لم يكن له داع حيث كان امتياز الشركة العالمية على القناة سينتهى من تلقاء نفسه عام ١٩٦٨ وتعود القناة لمصر بشكل طبيعى بلا تأميم ولا حروب، وهذا القول على ما به من تبسيط مخل فهو ينم عن عدم إلمام بالملابسات التى أحاطت بموضوع انتهاء عقد الامتياز والتى تؤكد نية القوى الأجنبية التمسك بالقناة حتى بعد انتهاء سنوات الامتياز الـ٩٩. وبادئ ذى بدء فإن لجوء بريطانيا وفرنسا إلى الحرب فى محاولة لاستمرار سيطرتهما على القناة بالقوة العسكرية إنما يدل على أنهما لم تكونا تنويان ترك القناة لمصر بعد انتهاء الامتياز، ولو أنهما كانتا تنويان بالفعل التخلى عنها بعد سنوات معدودات لما تكبدتا عناء التخطيط للحرب فى اجتماعات سيڤر التى أحيطت وقتها بالسرية، ولما تكبدتا التكاليف الباهظة للحرب سواء فى جانبها المالى أو العسكرى أو السياسي. ولقد بذلت الشركة العالمية لقناة السويس جهودا متواصلة منذ عام ١٩٠٩ وحتى قبل أشهر من قرار التأميم، بهدف مد فترة امتياز القناة لمدة ٤٠ عاما إضافية، وذكر جاك جورج بيكو مدير عام الشركة الفرنسى قبل التأميم مباشرة، أن الشركة أرسلت مذكرات إلى فرنسا، وبريطانيا، وأمريكا، وإيطاليا تحذر من المشاكل التى ستنشأ عند انتهاء الامتياز، وتطلب من تلك الدول الدخول فى مفاوضات من أجل تدويل القناة، لكن بريطانيا والولايات المتحدة اعترضتا على طلب الشركة تخوفا من أن يؤدى ذلك إلى مطالبة الاتحاد السوفيتى بالمشاركة فى المفاوضات باعتبار أن روسيا القيصرية كانت طرفا فى معاهدة القسطنطينية سنة ١٨٨٨ الخاصة بالقناة، وكانت الدول صاحبة امتياز القناة تفضل مد أجله على فكرة تدويل القناة. فقامت الشركة بإنشاء وتمويل مجموعة من الشخصيات البريطانية عرفت باسم جماعة السويس بدأت حملة دولية لمصلحة بقاء الإدارة الأجنبية للقناة وذلك بإثارة المخاوف من أن تسليم القناة لمصر سيعقبه انسحاب المرشدين الأجانب مما سيؤدى لتوقف القناة عن العمل. كما كانت الشركة قد نظمت حملة إعلامية واسعة فى الولايات المتحدة عام ١٩٥٤ لحث المسئولين الأمريكان على تبنى فكرة إنشاء سلطة دولية تشرف على القناة الواقعة داخل أرض مصر.

ويقال أيضا فى نقد قرار التأميم إنه كلف مصر مبالغ كبيرة دفعت كتعويض للمساهمين الأجانب فى الشركة، ولقد قابلت فى باريس فى التسعينيات من القرن الماضى چان بول كالون الرئيس الفخرى لجمعية ذكرى فرديناند ديليسيبس وقناة السويس وقد كان مفوضا عن الجانب الفرنسى فى التفاوض مع مصر حول قيمة التعويض الذى تعهدت الحكومة المصرية بدفعه للمساهمين بعد التأميم، وقد أخبرنى كالون إن المساهمين الفرنسيين تسلموا بالفعل كامل مستحقاتهم دون إبطاء، وقال إن مبلغ التعويض الذى تسلموه هو الذى أنشأوا به الجمعية التى يرأسها والتى تركز نشاطها على إحياء ذكرى صاحب فكرة حفر القناة ولإقامة وتشجيع الأنشطة الثقافية المتعلقة بقناة السويس وتاريخها، وقد قام الرجل منذ سنوات بإهداء مكتبة الاسكندرية مجموعة من الوثائق التاريخية المهمة التى كانت فى حوزة الجمعية. لكن الحقيقة التى قد لا يعرفها البعض هى أن انتهاء فترة الامتياز وانتقال القناة للإدارة المصرية كان سيكلف مصر هو الآخر مبالغ كبيرة، فقد كان من بين نصوص عقد الامتياز أنه عند انتهاء العقد يتوجب على مصر تعويض الشركة عن كل الآلات والمعدات والمهمات التابعة للشركة، وأن تقدير ثمن تلك المعدات يكون بالتراضى وإذا تعذر ذلك يكون حسب ما يقدره الخبراء، وهو ما قد يصبح مثار خلافات يمكن أن تطول، ومثل هذا الخلاف كان يمكن أن يحول دون تسليم القناة لمصر فى الموعد المحدد، وكان قرار التأميم عام ١٩٥٦ هو الذى خلص مصر من جميع هذه المشاكل وأعاد القناة لأصحابها الشرعيين أحفاد من حفروها بأيديهم، والذين أصبحوا الآن يتمتعون بكامل إيراد قناتهم.


لمزيد من مقالات محمد سلماوى

رابط دائم: