رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نحو المستقبل

هل تستطيع تغيير رأيك فى موضوع ما، أو إدراك عيوبك؟.. هل تتمسك بالتقاليد، أم تراجع ما لا يلائم تطور الحال؟.. هل تملك الأمان للإحساس بخطئك دون أن تهتز ثقتك بنفسك، وأن تتداركه، وتعترف به، وتسامح نفسك، وتطورها لتكون أكثر قوة وتأثيرًا ونضجا وصفاء وسعادة؟.. كيف ستكون حياتنا لو لم نتعلم، وكيف نشعر بسلام نفسى، ونحن ننكر عيوبنا، وما تأثير ذلك على علاقاتنا بالآخرين ونظرة الناس إلينا؟.. هل تعتقد أن الآخرين يرونك مثلما ترى نفسك؟، وهل يمكنك النظر إلى تناقضات ما تقوله، وما تفعله إذا انغمست باندفاع فى الدفاع عن وجهة نظر دون «تبصر ذاتي»، لأن ما تريده هو الانتصار لتضخيم «الأنا»، وتأكيد الذات؟.. هل تجيد تمالك النفس واختيار انفعالاتك وتصرفاتك بمسئولية، أم تندفع وتندم، ثم تتكرر «الحلقة المفرغة» فى ظروف أخرى؟.

لقد ذكرتنى هذه التساؤلات بلباقة ولطف وحكمة الدكتور الراحل بطرس غالى حينما أعلن رغبته فى الترشح لولاية ثانية كأمين عام للأمم المتحدة، وسألته صحفية عن سبب تراجعه عما قاله قبل الولاية الأولى من أنها ستكون الوحيدة، فأجاب قائلا: إن الأغبياء هم من لا يغيرون مواقفهم، فضجت القاعة بالضحك لسرعة بديهته وتلقائيته ومهارته فى تحويل سؤال محرج إلى إجابة حكيمة، وأعجبنى ما استنتجته مما أعرفه عنه من ثبات انفعالى، وتمالك النفس واستبصار ذاتى حكيم؛ فنحن نحتاج إلى الكثير من ذلك، ومن القدرة على بناء التوافق النفسى والمجتمعى على المستوى الفردى.

لو أنك تؤمن بأن الحياة مدرسة لتطوير النفس والروح، وأن القوة الحقيقية فى تمالك النفس، وليس التحكم فى الآخرين وفرض الآراء، فماذا يضيرك أن يكون للآخرين ما يخالف رأيك؟ وهل لديك من الموضوعية والنزاهة والتجرد ما يكفى لكبح الاندفاع والنوازع الشخصية والبدء فى مراجعة المفاهيم والآراء؟.. إن الأمر شاق، وإن التفكير العلمى الناقد حتى لو طالبنا به مجتمعيًا قد يصعب أحيانا تطبيقه على النفس، فنحن مجتمع محافظ يتمسك بالتقاليد، ولا يحبذ التجديد، وتنتشر بيننا الشخصيات الدفاعية، وكأن الدفاع عن الرأى دفاع عن كيان الفرد، لكننا أيضا نعرف أننا لا نستطيع الصمود فى هذا العالم إن لم نتطور، ونكون أكثر رغبة فى التعلم والتقدم.

وعلى المستوى الوطنى والقومي، وبرغم ما درسناه من وحدة أو تشابه الثقافة والعرق واللغة والدين والتاريخ والجوار بين الدول العربية، وإلى حد ما مع دول ما يسمى «الشرق الأوسط»، فإننا نعانى حالة «فتن واستقطاب وطائفية وصراعات مسلحة»، وقد يعزى ذلك إلى مخططات أجنبية، وسياسة «فرّق تسد»، لكنه لا ينفى مسئوليتنا، ولم يكن لتنجح لو أدركت قوى خارجية أننا نستطيع بناء التوافق على المصلحة المشتركة، وبناء الثقة والالتزام فيما بيننا، والمثال متاح، فالاتحاد الأوروبى جمع دولا كثيرا ما تحاربت وثقافات ومذاهب ولغات متباينة، لكن دوله عرفت كيف تبنى وحدتها على أسس المصلحة الاقتصادية، والتدرج فى البناء المؤسسى.. إنهم يختلفون لكن لا يتحاربون، ويتعايشون مع الاختلافات والمنافسة، وفى النهاية يتضامنون، ويعرفون أننا لا نقدر على هذا، وفق طبيعة مجتمعاتنا وثقافتنا وشخصياتنا على الأغلب، فنظل نتعلل بالمخططات الأجنبية، وكأنها تعفينا من التخلص من الأسباب التى أنجحتها، بل انظر إلى تجربة الأمن والتعاون الأوروبى و«ميثاق هلسنكى» وقت الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، حيث لم تحدث حرب نووية بينهما.

حقا إن الأوضاع صعبة والمسيرة شاقة، لكنها ليست فقط سياسية واقتصادية، فهى أيضا ثقافية وفكرية ونفسية؛ فلنصلح أنفسنا لو أردنا لأوطاننا السلامة والازدهار، ولشعوبنا التعايش فى تقدم وسلام.

د. هادى التونسى

طبيب وسفير سابق

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق