رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إيران تتفاوض فى فيينا.. والملفات الإقليمية حاضرة

رغم أن العنوان الرئيسى للمفاوضات التى تجرى فى فيينا بين إيران ومجموعة «4+1» بمشاركة أمريكية غير مباشرة، نووى بامتياز، فإن ملفاتها الرئيسية وخلافاتها الأهم تبقى إقليمية بامتياز أيضاً. ويعود ذلك فى المقام الأول إلى اعتبارين رئيسيين: أولهما، أنه بات هناك اقتناع، من جانب القوى الدولية، بأن الوصول إلى تسوية لأزمة الملف النووى الإيرانى لن يتحقق دون الخوض فى الملفات الإقليمية الأكثر تعقيداً، بدليل الأزمات المتتالية التى تعرض لها الاتفاق النووى الحالى وأفرغته من مضمونه تقريباً، حيث اقتصر هذا الاتفاق من البداية على البرنامج النووى حصراً.

وثانيهما، أن إيران، التى ترفض تلك المقاربة بشدة، تسعى بدورها إلى استثمار حضورها فى الإقليم لتعزيز موقعها التفاوضى. ويبدو ذلك جلياً فى الوقت الحالي؛ فبالتوازى مع توقف المحادثات فى فيينا، بسبب تفضيل إيران تأجيل جولتها السابعة لحين تشكيل الحكومة الجديدة للرئيس إبراهيم رئيسي، حسب تصريحات رئيس وفد التفاوض عباس عراقجى فى 17 يوليو الحالى، فإن تصعيداً لافتاً طرأ على الساحة الإقليمية، بمستويات مختلفة، بداية من اعتذار سعد الحريرى عن تشكيل الحكومة اللبنانية، فى 15 من الشهر نفسه، مروراً بالضربات الصاروخية المتتالية التى تتعرض لها المصالح الأمريكية فى العراق وسوريا، وانتهاءً بالهجمات الصاروخية التى تشنها حركة المتمردين الحوثيين ضد السعودية. ويتخلل ذلك تصريحات وإشارات من جانب مسئولين إيرانيين، وفى مقدمتهم رئيسى نفسه، بأن إيران لن تتراجع عن تقديم الدعم لحلفائها فى المنطقة، ولن تجرى مفاوضات حول برنامج الصواريخ الباليستية أو الدور الإقليمى.

تسويات لاحقة

يوحى ذلك بأن رؤية إيران إزاء التطورات التى تشهدها سواء الأزمات الإقليمية المختلفة أو المفاوضات النووية تقوم على محورين أساسيين: الأول، أن أى تسوية فى الملفات الإقليمية، حتى لو كانت مرحلية، تبقى لاحقة وليست سابقة على الصفقة النووية. ومن هنا، يمكن تفسير عزوف حلفاء إيران فى لبنان عن دعم الجهود التى بذلها الحريرى من أجل تشكيل الحكومة، وكان آخرها قبل اعتذاره بيوم واحد، عندما قدم التشكيلة الأخيرة إلى الرئيس ميشال عون. ومن هنا أيضاً يمكن تفسير الزيارات المتكررة التى يقوم بها القادة العسكريون الإيرانيون إلى العراق، وآخرهم رئيس استخبارات الحرس الثورى حسين طائب، فى 7 يوليو الحالى.

والثاني، أن إيران تريد الصفقة النووية لكن ليس بأى ثمن. وهنا، مكمن الخلاف بين الرئيسين الحالى حسن روحانى والتالى إبراهيم رئيسي؛ فالرئيس المنتهية ولايته يرى أن الصفقة المحتملة مهددة نتيجة المماطلة والتسويف من جانب إيران، ورغم أنه لم يقل ذلك صراحة، إلا أنه أشار بوضوح إلى أن قرار الوصول إلى الصفقة انتزع منه قبل ستة أشهر تقريباً، وتحديداً عندما أدركت إيران أن الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب لن يتولى فترة رئاسية ثانية. وربما تخلل ذلك محاولات من جانب حكومة روحاني، وإن كانت على استحياء، لتأكيد استعدادها للمشاركة فى حلحلة بعض الأزمات الإقليمية، وفتح قنوات تواصل مع بعض الدول مثل السعودية.

بينما يرى الرئيس الجديد أن الهرولة نحو الصفقة يوجه رسائل خاطئة للدول الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية ويدفعها إلى الإمعان فى فرض شروطها، مطمئنة -فى رؤيته- إلى أن إيران تبدو متلهفة للوصول إليه لتقليص حدة العقوبات المفروضة عليها التى أثقلت كاهل اقتصادها. ومن هنا، يمكن تفسير أسباب تأجيل الجولة السابعة بالتوازى مع التصعيد المستمر على الساحة الإقليمية.

إذ يرى الفريق الجديد الذى يبدو أنه سوف يشارك رئيسى فى إدارة ملفات السياسة الخارجية الإيرانية، أن لدى إيران أوراق ضغط يمكن استخدامها فى انتزاع مكاسب أكبر من القوى الدولية وتقديم تنازلات أقل فى الصفقة النووية المحتملة، وأولها بالطبع رصيدها فى الإقليم. كما أنه يرى أنه لا يمكن تقديم تنازلات يُعتد بها فى الملفات الإقليمية لاعتبارين رئيسيين: أولهما، أن الحضور الإيرانى فى المنطقة لا يقل أهمية عن البرنامج النووى نفسه، باعتبار أن هذا الحضور يُؤمِّن لطهران قدرة على الردع ورفع كُلفة أى تحرك مناوئ ينفذ ضدها. وبمعنى آخر، فإن إيران ترى أنه ليس لديها قنبلة نووية، حتى الآن، لكن لديها «قنبلة إقليمية» لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها.

وثانيهما، أنه أياً كان المسار الذى سوف تتجه إليه المفاوضات النووية فى فيينا، فإن القوى المناوئة لإيران سوف تتحرك لانتزاع أوراق الضغط التى تمتلكها إيران والترويج بأن إيران التى تمتلك القدرة على اختراق حدود دول عديدة تواجه فى الوقت ذاته اختراقاً أمنياً يتسع نطاقه تدريجياً. وتبدو إسرائيل متحفزة فى هذا السياق، على نحو يبدو جلياً فى العمليات الأمنية العديدة الى اُتهمت بتنفيذها داخل حدود إيران فى الفترة الماضية، على غرار الاستيلاء على الأرشيف النووى الإيراني، وتنفيذ هجومين داخل مفاعل ناتانز، واغتيال العالم النووى محسن فخرى زاده.

وإذا كانت مثل تلك العمليات قد بدأت تتصاعد حتى قبل الوصول إلى صفقة نووية، فإنه يبدو من المرجح أن تتزايد بعد الوصول إلى تلك الصفقة، التى تبدى تل أبيب تحفظات عديدة عليها، باعتبار أنها ستساعد إيران، فى الغالب، على التخلص، نسبياً، من عبء العقوبات الأمريكية المفروضة عليها والحصول على عوائد صادراتها النفطية، ومن ثم رفع مستوى الدعم المقدم لحلفائها، وفى الوقت نفسه ستمكنها من مواصلة برنامجها النووى لاسيما فيما يتعلق بعمليات تخصيب اليورانيوم.

هنا، تجد إيران أن رصيدها فى الإقليم، يمكن استخدامه فى الرد على تلك النوعية من العمليات. وبدا ذلك جلياً فى الدعم الذى قدمته للفصائل الفلسطينية فى الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وفى الهجمات التى تعرضت لها سفن تجارية إسرائيلية فى مناطق مختلفة من الشرق الأوسط.

وانطلاقاً من ذلك، لا يبدو أن هناك تهدئة قادمة ومستقرة فى الإقليم، على الأقل فى المدى المنظور. والمفارقة هنا تكمن فى أن الوصول إلى صفقة نووية قد لا يساعد فى الوصول إلى تلك التهدئة، باعتبار أن مصالح وحسابات القوى المناوئة سوف تدفعها إلى العمل على عرقلة المعطيات التى سوف تفرضها على الأرض.


لمزيد من مقالات د. محمد عباس ناجي

رابط دائم: