رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لبنان بلا حكومة... الانزلاق إلى المجهول

دخل لبنان منذ عامين فى دوامة أزمات سياسية واقتصادية متلاحقة، انعكست أخيراً فى اعتذار سعد الحريرى عن تشكيل حكومة إنقاذ، فى 15 يوليو الحالى، بعد محاولات مضنية، وهى الخطوة التى قضت فعلياً على احتمالات تأليفها فى أى وقت قريب. ويجمع المحللون الاقتصاديون أنه لا خروج للبنان من عثرته إلا بسرعة ضخ دعم دولى فى السوق المحلية بما يرمم نظامه الاقتصادى لحين البدء فى إعادة هيكلة شاملة لمختلف القطاعات.

فى المقابل، يجمع داعمو لبنان من الدول الصديقة عرباً وغرباً على استحالة تقديم الأموال المطلوبة قبل تشكيل حكومة خبراء تنفذ خطة إنقاذ إصلاحية لوقف تسرب المساعدات المرتقبة لجيوب الفاسدين بالجهاز الحكومى. ولذا اشترطت فرنسا فى مبادرتها الشهيرة عقب تفجير مرفأ بيروت العام الماضى تشكيل حكومة كفاءات وفق شروط تقشفية وإصلاحية قبل تسلم المساعدات الدولية.

وإذ فشلت محاولة تنصيب رئيس وزراء من خارج سياسييّ الصف الأول، جاء الحريرى بتسمية من مجلس النواب ليبدأ رحلة شاقة من اللقاءات مع الرئيس والقوى السياسية لتشكيل حكومة. وقد تعددت عُـقد التشكيل خلال هذه الفترة، منها اشتراط حكومة تقشفية من 18 وزيرا وإصرار مقابل على توزير كل الفرقاء والحلفاء لترتفع إلى 20 ثم 24، ثم لم تتشكل الحكومة. وتم اشتراط حكومة خبراء فقط كى لا تخضع لنفوذ الكتل النيابية فتُعطِّل مكافحة الفساد فى خطة الإنقاذ الاقتصادية المرتقبة، ولكن جاء إصرار مقابل بتوزير سياسيين. وطُرحت فكرة تدوير الوزارات بين الطوائف المختلفة وعدم احتكارها، ولكن كان هناك إصرار مقابل على حجز وزارات المالية والداخلية والعدل لطوائف من فريق سياسى محدد.

دفع الحريرى بحكومة مختلطة بين سياسيين وخبراء، فتم الاشتراط فى المقابل بثُلث مُعطِّل يكون بيد التيار الوطنى الحر التابع للرئيس عون وصهره جبران باسيل الطامح إلى تولى الرئاسة من بعده. حاول الحريرى الالتفاف على هذا المطلب بمقترحات عديدة فشلت كلها فى حل المعضلة. ويفسر الرئيس عون الرفض المتكرر بضرورة التشكيل وفق معايير موحدة يرضى عنها الرئيس ويتبعها رئيس الوزراء. بينما يرى الحريرى أن مهامه الدستورية تخوله تشكيل حكومة وفق معاييره وللرئيس أن يقبل أو يرفض ولكن ليس له أن يفرض معايير تياره فى التشكيل. وفيما يرى البعض أن الحريرى هو الأقدر على جلب المساعدات الدولية، يرى آخرون أن من صنع النموذج الاقتصادى الذى أفلس لا يملك إصلاحه. فانفرط العقد وتبددت آمال تشكيل الحكومة حتى إشعار آخر.

تدخلات دولية للتعجيل وأخرى للتعطيل

تعددت الوساطات الدولية لحل الأزمة منذ تفجير المرفأ فى أغسطس الماضى واستقالة حكومة حسان دياب، كان أشهرها المبادرة الفرنسية الواعدة بمساعدات سخية بشرط تشكيل حكومة كفاءات إصلاحية تجتث الفساد. تدرجت الوساطة الفرنسية من درجة الرئيس ماكرون بنفسه إلى وزير خارجيته ثم مبعوثه الرفيع ثم سفيرته ببيروت لتحمل الرسالة نفسها بحماس متفاوت. استنفر الفاتيكان واستقبل الحريرى ثم استقبل الكرادلة اللبنانيين واستضاف صلاة من أجل نجاة لبنان ودعا فرقائه إلى الاتفاق لإنقاذ البلاد دون جدوى. حمل تدخل الفاتيكان رسالة قوية تقطع الطريق على ادعاءات تيار عون المتكررة بتعطيل الحكومة لتمسكهم بحق المسيحيين فى لبنان.

استنفرت مصر أيضاً وحاولت تعجيل التشكيل عبر جولات متكررة لسفيرها ببيروت على الفرقاء المتضادين واستضافة الحريرى قبل ساعات من إعلان اعتذاره فى محاولة من القاهرة لتهيئة أجواء عربية لاحتضان لبنان فى أزمته.

وفيما كانت بيروت تتأهب لقرب فك عقدة الحكومة ووصول المساعى الدولية والإقليمية الحميدة لذروتها، قدم الحريرى التشكيلة الأخيرة لحكومته للرئيس الذى رفضها على عجل دون استمهال لتفاوض أو مساومات. فبدا أن تكرار رفض الحكومة عبر تسعة أشهر ونحو 21 لقاءاً ثنائياً للحريرى وعون لم يكن بسبب عـُقد معايير التشكيل ولكن لأن تحالف الحريري-عون الذى سمح للأخير بتولى الرئاسة فى أكتوبر 2016 قد انفك إلى غير رجعة باستقالة حكومة الحريرى بعد أيام من ثورة اللبنانيين بأكتوبر2019.

فى مقابل وساطات الحل، استفادت إيران، وحلفائها بلبنان، من التعطيل من أجل استخدام الأخير ودوامة أزماته كورقة للتفاوض الإقليمى مع الغرب. تريثت إيران ولم تتنازل حتى انتهاء ولاية ترامب، ثم تريثت حتى تتبين نوايا بايدن وأخيراً تتريث لحين تشكيل فريق حكومى للرئيس الإيرانى الجديد.

ما العمل وإلى أين؟

انتهت معركة الحكومة دون أن تتشكل وبدأت مبكراً معركة الانتخابات (مجلس النواب فى مايو 2022 والرئاسة بحد أقصى قبل سبتمبر 2022). وإذا كان الشارع الغاضب والمجتمع الدولى يطالب بحكومة كفاءات محايدة، فالكتل النيابية تنازعت حصص التوزير فى الحكومة وكأن لا ثورة فى الشارع ولا انفجار حلّ بالبلاد، مما قضى على ما تبقى من شرعية للنظام القائم بكل زعمائه متحالفين كانوا أو متخاصمين. وفيما كان يُفضل أن يتحمل الفرقاء جميعاً مسئولية حكومة تتخذ قرارات قاسية لإنقاذ الاقتصاد، استقال الحريرى ليتحمل الفريق المُعطِّل وحده مسئولية الفشل، فيما يرى الأخير أنه قد انتصر وفرض إقصاء خصمه من المشهد.

لكن مَن سيكون رئيس الوزراء القادم، وكيف ستتشكل الحكومة أو بالأحرى هل ستتشكل أصلاً؟ قد تـُهدر تسعة أشهر أخرى دون حكومة فى المزايدات السياسية والتدهور الاقتصادى والأمنى حتى بلوغ موعد الانتخابات البرلمانية. لم يُسمِ الحريري، كزعيم السُنة الأول، مرشحاً آخر لرئاسة الحكومة، ولن يتحمل أى زعيم يرجو أن يخوض الانتخابات القادمة مسئولية حكومة مؤقتة محكومة سلفاً بالفشل. وإذا اختار فريق عون وحزب الله مرشحاً هامشياً بلا شعبية، لن تحظى حكومته بصفة التشاركية والثقة المطلوبة لتسلم المساعدات. وإن لم يتحقق مسار تشكيل حكومة أخرى، فالحكومة المستقيلة لا ترقى لمستوى المسئولية لفقدانها الصلاحيات الدستورية منذ الاستقالة وأيضاً لاتهام أقطابها بالإهمال الجسيم المتسبب بانفجار المرفأ الذى تجرى التحقيقات بشأنه حالياً.

ولكن يمكن للأمل أن يتجدد، فإذا أخذنا مؤشر نتائج الانتخابات النقابية ومن قبلها نجاح القوى العلمانية والمستقلة فى الانتخابات الطلابية الجامعية، يبدو أن فاعلاً جديداً سينافس الانتخابات النيابية القادمة ممثلى الطبقة السياسية التقليدية. إذ يُتوقع أن تنتظم القوى الرافضة للنظام الطائفى فى قوائم انتخابية لخطف مقاعد البرلمان القادم من طبقة سياسية احتكرت البلد فقادته للهاوية ثم فوتت الفرصة الأخيرة لإنقاذه.


لمزيد من مقالات رابحة سيف علام

رابط دائم: