رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الكتاب.. والكتابة ـ 3

تحدثنا فى المقالتين السابقتين عن قراءاتى الأولى فى مجال النثر، من قصة ورواية، وقبلهما حواديت الطفولة، ثم تطرقنا فى نهاية المقالة الثانية لبداية علاقتى بكتب الشعر. وكان من الطبيعى أن تبدأ تلك العلاقة بما وقع فى يدى - وأنا طفل ثم وأنا على أعتاب المراهقة - من دواوين صلاح چاهين. وألمحت فى السطور الأخيرة من المقالة السابقة لتطور تذوقى للشعر من خلال تصفح تلك الدواوين على مدى السنوات التى تفصل بين الطفولة ونهاية المراهقة، حيث يبدأ القارئ, من خلال تراكم خبرات الاطلاع على النصوص الإبداعية، وأيضاً من خلال النمو الفيزيقى الطبيعى للمخ الإنسانى ما بين العاشرة والعشرين، فى تذوق الأعمال الأكثر رمزية وعمقاً والأبعد عن النثرية والمباشرة. والواقع أنى تعلمت من خلال القرب من أبى وكتبه، كيف أتذوق الشعر وأقرؤه، بنفس قدر تعلمى من خلال اتصالى المباشر بهذا الشاعر الكبير كيف أكتب.

وكانت فى مكتبة أبى - حين بدأت البحث والاستكشاف فيما تحمله رفوفها - دواوين لصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطى حجازى, والديوان الأول لأمل دنقل البكاء بين يدى زرقاء اليمامة, فشدنى شعر الفصحى الحديث - بمقاييس بداية السبعينيات حين كان هؤلاء كشفاً حداثياً بالنسبة لولد تعوّد أن يرى شعر الفصحى عمودين متجاورين, كل بيت يتكون من شطرتين, فى كتب المدرسة. وفى نفس التوقيت، كنت قد اطلعت على بعض أشعار محمود درويش أو سمعت به، وحين حصلت على شهادة الإعدادية بمجموع لا بأس به (بمقاييس ذلك الزمن أيضاً) مّنّتنى أمى: ماذا تحب أن تكون جائزتى لك على النجاح؟ فقلت لها بلا تردد: الأعمال الكاملة لمحمود درويش. وكانت تلك الأعمال فى بداية السبعينيات عبارة عن مجلد واحد يضم خمسة أو ستة دواوين، قبل أن يتعملق نتاج درويش الإبداعى ليضم عدة مجلدات.

نهايته، كان هؤلاء الأربعة فرسان وجدانى الشعريين، وكان شعر الفصحى الأكثر جذباً لى فى سنوات التكوين. وكان على شعر العامية المصرية- باستثناء أعمال صلاح چاهين التى اكتشفت وجودها منذ الطفولة - أن ينتظر حتى أجاوز العشرين، وأبدأ قراءة فؤاد حداد والاستماع لشعره الذى لم يكن الكثير منه فى الثمانينيات والتسعينيات قد نُشر، وفى نفس التوقيت بدأ نشر الأعمال الكاملة لبيرم التونسى فى ستة أجزاء، فتكفل هذان الشاعران العظيمان باستدراجى التدريجى للكتابة الشعرية بالعامية، وخاصة أن الصداقة وقتئذ ربطتنى بجيل طالع من شعراء العامية المصرية، ومنهم محمد كشيك وأمين حداد وعمرو حسنى ورجب الصاوى وعمر الصاوى وأشرف عامر، وكان معظمهم من حى الوراق الجميل المطل على النيل، أو من بيت فؤاد حداد نفسه، بالقرب من مدينة الطلبة بين حى الصحفيين ونيل الكيت كات. وهكذا استحوذت المصرية على لُبِّى تماماً. وكانت محطة نزولى فى رحاب نيل الوراق لزيارة بيت محمد كشيك تحمل اسم محطة القُلل. وكان بيت أشرف عامر محدوفاً تماماً فى حضن النيل. فكيف بربكم يكتب المرء الفصحى فى قلب هذا العرس الشعبى العذب؟ خاصة أن أمل دنقل، الذى كنت أزوره بين حين وآخر فى مقاهيه الأثيرة بوسط القاهرة منذ عرفت قدمى بدايات الصعلكة فى السبعينيات، اعتلّ ثم ذهب, وفارق، لا مقاهى وسط البلد وحدها، بل دنيانا كلها، ومن قبله ابتعد عنا أحمد عبدالمعطى حجازى- الذى زُرته وأنا شبل شعرىّ فى مكتبه بمجلة روزاليوسف- ورحل عن الوطن لأسباب سياسية، وفى عام ١٩٨1 توَّقف قلب صلاح عبدالصبور عن الخفقان حزناً؟.. وللحديث بقية.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين

رابط دائم: