رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل يندم جونسون على «يوم الحرية»؟

منال لطفى
التزام ركاب المواصلات العامة بارتداء الكمامات أصبح خارج المسئولية الشخصية ببريطانيا

رفعت بريطانيا رسميا أمس كل القيود التى كانت مفروضة منذ أشهر طويلة لاحتواء وتطويق كوفيد 19.إنه «يوم الحرية» بتعبير رئيس الوزراء بوريس جونسون. لكنه تعبير بات له منتقدون أكثر مما له مؤيدون، لأنه بينما سيتم إلغاء الإلزام القانونى لارتداء الكمامات، وإلغاء التباعد الاجتماعي، وعودة الاعمال فى المكاتب، ورفع القيود على عدد الأشخاص الذين يمكن الالتقاء بهم، وإعادة فتح النوادى الليلية،وإزالة القيود على عدد الأشخاص الذين يحضرون الحفلات الموسيقية أو المسارح أو الأحداث الرياضية، وإزالة القيود على دور العبادة، وإزالة إلزام البالغين الذين تم تطعيمهم بعزل أنفسهم إذا تواصلوا مع شخص مصاب، وإزالة نظام «الفقاعات» فى المدارس الذى يجبر تلاميذ الفصل على عزل انفسهم إذا أصيب زميل لهم، بينما سيتم إلغاء كل هذه القيود ارتفعت العدوى بالفيروس فى بريطانيا لتبلغ 50 ألف حالة فى اليوم.

 

ووسط قلق المجتمع العلمى البريطانى والدولى من إزالة كل القيود وفتح كل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، تصر الحكومة على أنه يجب على البريطانيين «التعايش مع كوفيد 19» وأن العدوى فى شهور الصيف أفضل من العدوى خلال شهور الشتاء حيث يكون جهاز الرعاية الصحية مثقلاً أصلاً بسبب انتشار البرد والانفلونزا والأمراض الصدرية.

كما تقول الحكومة إنه برغم إزالة كل القيود القانونية المتعلقة بكوفيد 19 فإنها تأمل وتتوقع أن يواصل البريطانيون الحفاظ على عدد من القيود «طواعية» ومن بين تلك القيود ارتداء الكمامة فى الأماكن المغلقة والمزدحمة وأخذ التطعيم. لكن هذه الرسالة الملتسبة زادت غضب العلماء والعاملين فى القطاع الصحى البريطاني. فكيف ترفع الحكومة الالزام القانونى لارتداء الكمامة وفى الوقت نفسه تطلب من الناس الالتزام به طواعية فى «إطار المسئولية الأخلاقية للفرد». هذه الرسالة الملتبسة جعلت كثيرين يقولون إن الحكومة تخلت عن مسئولية إدارة الجائحة وتركتها على عاتق الأفراد والشركات.

يوم الاستسلام

وفى نظر الكثيرين فإن «يوم الحرية» هو «يوم الاستسلام» ورفع «الراية البيضاء» أمام كوفيد 19، لأن استراتيجية الحكومة تفتح الباب عمليا لعودة نهج «مناعة القطيع» مع توقع وزير الصحة ساجد جاويد ارتفاع عدد الإصابات يومياً إلى 100 ألف حالة بحلول أغسطس المقبل.

وبرغم أن ما يقرب من 88٪ من البالغين فى بريطانيا أخذوا الجرعة الأولى من لقاح كوفيد، و 64٪ من السكان أخذوا الجرعتين، فيما من المتوقع اتخاذ قرار بشأن تقديم لقاحات كوفيد لمن هم دون 18 عاما فى غضون أيام، برغم كل ذلك فإن بعض كبار العلماء فى بريطانيا يتوقعون ارتفاع أكبر لمعدلات العدوى.

فالبروفيسور نيل فيرجسون الذى ساعدت نماذجه الأولية فى تشكيل استراتيجية الحكومة لمواجهة الفيروس منذ انتشر فى المملكة المتحدة فى مارس 2020 ، حذر من أن عدد الإصابات اليومية قد يصل إلى ما بين 100 ألف إلى 200 ألف حالة فى اليوم خلال الأشهر القليلة المقبلة ما سيتسبب فى «اضطرابات كبيرة» لجهاز الرعاية الصحية البريطاني.

وقال فيرجسون إنه من «شبه المؤكد» أن تؤدى إزالة كل القيود إلى 100 ألف حالة إصابة يومياً، مع حاجة نحو 1000 شخص لدخول المستشفى يوميا بسبب ضعف مناعتهم أو عدم تطعيمهم. وأشار فيرجسون إلى أن الذروة قد تحدث بين أغسطس ومنتصف سبتمبر. وعلى الرغم من أن غالبية الأشخاص الذين يتم إدخالهم إلى المستشفى حالياً لا يصابون بأعراض خطيرة، ويقل احتمال موتهم بسبب الفيروس ، قال فيرجسون إنه «إذا كان لديك عدد كافٍ من الحالات، فلا يزال بإمكانك تحميل عبء كبير جداً لنظام الرعاية الصحية».

ومع أن غالبية السكان أخذوا على الأقل جرعة واحدة من لقاح كوفيد 19، إلا أن الإصابات بالفيروس عادت للارتفاع السريع فى المملكة المتحدة منذ بدأ تخفيف القيود وأيضا بسبب انتشار «متغير دلتا»، وهو فيروس متحور من كوفيد 19 سريع الانتشار.

وفى رسالة إلى مجلة «لانسيت» الطبية البريطانية المرموقة شجب أكثر من 100 طبيب وعالم «التجربة الخطيرة وغير الأخلاقية» المتمثلة فى رفع كل القيود القانونية التى كانت مفروضة خلال الفترة الأكبر من الـ15 شهرا الماضية فى بريطانيا. ووصف هؤلاء العلماء والأطباء والخبراء نهج الحكومة بأنه «وصفة كارثية». بينما قال مايك رايان من منظمة الصحة العالمية إن هذا النهج يظهر «فراغا أخلاقيا وغباءً فيما يتعلق بالأوبئة».

متاهة من الإجراءات

وما يقلق العلماء أكثر من غيره هو قرار الحكومة إزالة الإلزام القانونى لارتداء الكمامة وترك الموضوع «مسئولية شخصية» للفرد. فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية وغيرها من المؤسسات الصحية والعلمية فى بريطانيا فإن ارتداء الكمامة يؤدى إلى تقليل العدوى بما بين 20 %إلى 50%. وارتداؤها فى الأماكن المزدحمة والمغلقة يوفر الحماية للكثيرين ممن يعانون أمراضا أخرى أو لديهم جهاز مناعى ضعيف.

وبرغم قرار الحكومة إزالة الالزام القانونى لارتداء الكمامة، فإن عمدة لندن صادق خان ـ الذى من ضمن صلاحيته القرارات المتعلقة بالمواصلات العامة فى لندن ـ قرر الإبقاء على الكمامة إلزاميا فى المواصلات العامة بالعاصمة. وسلك عمدة مانشستر، اندى برنهام، النهج نفسه، بعدما قال إنه سيجعل ارتداء الكمامة إلزاميا. أيضا أعلنت الحكومات الإقليمية فى أسكتلندا وويلز الإبقاء على الكمامة إلزاميا.

وهذا يعنى أن المملكة المتحدة لن تكون لديها سياسة موحدة حيال ارتداء الكمامات بل سيكون لكل منطقة ومدينة سياساتها بحسب ما ترى السلطات الإقليمية والمحلية الحاكمة هناك.

ويقول خان إن رفع كل القيود يعرض للخطر الفئات الأكثر ضعفا من كبار السن أو أصحاب المناعة الضعيفة أو المراهقين والأطفال الذين لم يتم تطعيمهم بعد أو الذين أخذوا جرعة واحدة من المصل أو حتى الذين اخذوا الجرعتين. والدليل على ذلك إصابة وزير الصحة البريطانى ساجد جاويد بكوفيد 19 برغم أنه أخذ جرعتى المصل وكان يتحرك فى دائرة ضيقة من كبار المسئولين الذين أخذوا بدورهم جرعتى المصل. وبعد إعلان إصابته بكوفيد 19، قال جاويد، 51 عاماً،إنه سيخضع للعزل الذاتى لمدة 10 أيام. وبرغم أن جونسون ووزير الخزانة ريشى سوناك، الذين التقيا جاويد فى اجتماعات مطولة قبل إعلان إصابته بالفيروس، حاولا أن يتفاديا العزل الذاتى ومواصلة أعمالهما مع إجراء اختبار يومى لكوفيد 19، إلا أن ردود الأفعال الغاضبة أجبرت جونسون وسوناك على تغيير قرارهما وإعلان أنهما سيخضعان للعزل الذاتى أيضاً. وهذه كلها مؤشرات على أنه إذا لم يتم تطويق معدلات العدوى فإن الملايين قد يجدون أنفسهم خلال أسابيع قليلة مضطرين للعزل الذاتى مع ما سيترتب على ذلك من آثار اقتصادية مكلفة.

وأمام بريطانيا نماذج لدول قامت بإزالة كل القيود فارتفعت العدوى مجددا بنسب كبيرة أجبرت تلك الدول على إعادة فرض كثير من القيود خلال أسابيع قليلة من الفتح ومن تلك الدول هولندا واليابان.

رسالة تحذير

واستعدادا للأسوأ حث جونسون البريطانيين ، فى مقطع فيديو نُشر على حسابه على«تويتر» أمس الأول على توخى الحذر مع رفع معظم القيود القانونية المرتبطة بالوباء فى إنجلترا.

وقال جونسون إن الآن هو «الوقت المناسب» للانتقال إلى المرحلة الأخيرة من خريطة طريق إنجلترا للخروج من الاغلاق. وتابع «إذا لم نفعل ذلك الآن علينا أن نسأل أنفسنا، متى سنفعل ذلك؟....لكن علينا أن نفعل ذلك بحذر. علينا أن نتذكر أن هذا الفيروس للأسف لا يزال موجودًا. الحالات تتزايد ، يمكننا أن نرى العدوى الشديدة لمتغير دلتا».

طبعا لا يريد أحد استمرار القيود الاجتماعية والإغلاق الاقتصادى المفروض منذ 15 شهراً تقريباً، لكن تخفيف القيود الضرورية لإعادة تدوير عجلة الاقتصاد لا يجب أن يكون مقابله هو العودة لمعدلات العدوى المرتفعة. فإذا كانت العودة للمكاتب أمرا مهما وضروريا للتعايش مع كوفيد 19 واستئناف دورة الحياة، فإن نزع الكمامة فى المواصلات العامة أو الأماكن المزدحمة أمر ليس له ما يبرره لأن مخاطره أكثر من فوائده بحسب رأى غالبية المجتمع العلمى والطبى البريطاني.

ووفقًا لعدد من الاختبارات المعملية والدراسات المتعددة، فإن القيمة الرئيسية لارتداء الكمامة هى أنها تمنع ما يصل إلى 80٪ من الرذاذ من الانتقال إلى الهواء. وتمنع أيضًا استنشاق نحو 50٪ من الرذاذ. ووجدت دراسة صينية إن ارتداء الكمامة قلل من انتقال العدوى بنسبة 79% داخل العينة التى أجرى عليها البحث. كما وجدت دراسة أخرى أن الكمامة، حتى المصنوعة منزليا،يمكن أن تساعد فى الحد من انتشار فيروس كورونا.

أما مجلة «لانسيت» الطبية فحللت بيانات 172 دراسة فى 16 دولة ووجدت أنه من خلال ارتداء الكمامة تقل احتمالات الإصابة بنسبة كبيرة. ويؤيد العلماء بأغلبية ساحقة ارتداء الكمامة،وتقول منظمة الصحة العالمية: «يجب استخدام الكمامة كجزء من استراتيجية شاملة للتدابير لقمع انتقال العدوى وإنقاذ الأرواح؛ واستخدام الكمامة وحدها لا يكفى لتوفير مستوى كافٍ من الحماية ضد كوفيد 19 لكن إذا كان الوباء ينتشر فى مجتمعك، فابق آمنًا من خلال اتخاذ بعض الاحتياطات البسيطة، مثل التباعد الجسدي، وارتداء الكمامة، والحفاظ على تهوية الغرف جيدًا، وتجنب الازدحام، وتنظيف يديك، والسعال فى منديل».

أما فى الولايات الأمريكية التى رفعت إلزامية ارتداء الكمامة، فهناك عودة سريعة للعدوى. فعلى سبيل المثال، تضاعف عدد حالات كوفيد 19 اليومية الجديدة المبلغ عنها فى لوس أنجلوس أكثر من أربعة أضعاف من 15 يونيو الماضى إلى 15 يوليو الحالى. وبالمثل، شهدت مدينة سان فرانسيسكو ارتفاعا بمقدار ثمانية أضعاف فى حالات العدوى اليومية الجديدة المبلغ عنها.

إذن بينما تدخل بريطانيا يومها الأول لحرية ما بعد قيود كوفيد 19 بما فى ذلك إلزامية إرتداء الكمامة، فإن السلطات الصحية فى لوس انجلوس طلبت اعتبارا من 17 يوليو الحالى من جميع الأشخاص فى المدينة ارتداء الكمامة عندما تكون فى الأماكن العامة وأماكن العمل، سواء كنت قد تلقيت التطعيم أو لم تتلقه. وهذا كله يضع المسار البريطانى تحت التدقيق. فالجائحة أثبتت أن تغيير العادات الصحية يستغرق وقتا، وبينما اعتاد الغالبية الآن على ارتداء الكمامة، فإن العودة إليه فى حالة موجة جديدة من العدوى قد يصبح امرا صعبا على الكثيرين.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق