رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مجلس الأمن والفشل فى الأزمة الليبية

تعد الأزمة الليبية اختبارا حقيقيا لمجلس الأمن ودوره فى حفظ الأمن والسلم الدوليين, حيث أثبت المجلس حتى الآن فشلا كبيرا فى حل الأزمة والتعامل مع مسبباتها, وهو ما أطال من أمدها وزاد من تعقيداتها وتداعياتها الخطيرة وأبرزها تهديد ما تم تحقيقه مؤخرا من وقف لإطلاق النار وتشكيل حكومة انتقالية جديدة فى مارس الماضى بقيادة رئيس الوزراء عبدالحميد الدبيبة, بل احتمالات عدم عقد الانتخابات البرلمانية والرئاسية فى موعدها فى ديسمبر المقبل نتيجة للعقبات الكبيرة التى تواجهها العملية السياسية, وعلى رأسها استمرار وجود القوات الأجنبية وقوات المرتزقة, وفشل الفرقاء الليبيين فى تحقيق التوافق على مكونات الخريطة السياسية, سواء فيما يتعلق بفشل ملتقى الحوار السياسى فى الاتفاق على القاعدة الدستورية لإجراء الانتخابات, أو استمرار تعثر توحيد المؤسسات العسكرية وكذلك عدم فتح الطريق الساحلى الذى يربط الشرق بالغرب, وكلها تمثل ألغاما حقيقية قد تفجر الأزمة وتنسف خريطة الطريق.

فقد أصدر مجلس الأمن الخميس الماضى بيانا, وليس قرارا, حول ليبيا, يؤكد دعمه للمجلس الرئاسى والحكومة الانتقالية ويطالب بتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والحكم الرشيد وتحسين الأداء الاقتصادى والاتفاق على القواعد الدستورية وضرورة إجراء انتخابات نزيهة وحرة فى موعدها, كما دعا إلى تحقيق المصالحة الوطنية, وطالب المجلس الدول المختلفة باحترام وقف إطلاق النار وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا دون تأخير. وبذلك فإن المجلس رغم أنه حدد معوقات وألغام الأزمة الليبية وعقبات التقدم فى خريطة الطريق فإنه لم يتخذ الإجراءات العملية التى تمكنه من لعب دور فاعل وحقيقى فى الأزمة, حيث يظل فى إطار المعالجة العامة التى ترتكز على المناشدات والمطالبات عبر بيانات رئاسية غير ملزمة وهو ما انعكس سلبا على الأزمة وتعقدها.

فالقوات الأجنبية والمرتزقة تعد أحد أبرز ألغام المشهد الليبى, ورغم قرارات مجلس الأمن الدولى خاصة القرار الذى صدر فى مارس الماضى والقرار 2570 الصادر فى أبريل, والتى تدعو بشكل مباشر وصريح إلى ضرورة إخراج القوات الأجنبية وقوات المرتزقة من ليبيا بشكل فورى, فإن هناك بعض الأطراف الداخلية والخارجية تضع عقبات أمام تنفيذ تلك القرارات, ولم يتخذ المجلس إجراءات عقابية ورادعة ضدها, وهو ما أبقى الوضع كما هو عليه, كما أن الولايات المتحدة رغم مطالبتها بخروج القوات المرتزقة فإنها لم تتخذ إجراءات لتحقيق ذلك.

مجلس الأمن كعادته فى التعاطى مع الكثير من الأزمات والنزاعات, خاصة الحروب الأهلية, ومنها الأزمة الليبية, لم ينجح فى المساهمة فى حلها وهذا يعود بشكل أساسى إلى لعبة المصالح والمواءمات داخل المجلس وارتباط الدول الكبرى دائمة العضوية فيه بتلك الأزمات سواء بانخراطها بشكل مباشر أو ارتباطها بأحد أطراف النزاع, أو محاولة منها لتحجيم نفوذ الدول الكبرى الأخرى المنخرطة فى هذا الصراع, ولهذا فشل المجلس بسبب استخدام حق الفيتو من جانب تلك الدول الكبرى أو بسبب عدم التوافق على قرار ملزم وفقا للفصل السابع من الميثاق, فى التعاطى مع الأزمة الليبية التى لا تزال تراوح مكانها. فكان يمكن للمجلس أن يتخذ قرارا ملزما يضع فيه جدولا زمنيا محددا لخروج القوات الأجنبية وقوات المرتزقة, وأن يتخذ بعدها عقوبات مشددة, تجاه الأطراف التى تماطل أو تعرقل تنفيذ قرارات المجلس خاصة المتعلقة بخروج المرتزقة, لكن سياسة اللاحسم من جانب المجلس شجعت تلك الدول على أن تستمر فى سياستها فى الإبقاء على القوات المرتزقة لاستخدامها كأحد الأوراق لضمان نفوذها ومصالحها داخل المعادلة الليبية الحالية أو توجيه التفاعلات السياسية والأمنية المستقبلية لضمان مصالح تلك الدول على حساب مصالح الشعب والدولة الليبية.

وحتى فيما يتعلق بقرار مجلس الأمن 1970 الخاص بحظر الأسلحة إلى ليبيا والقرارات الأخرى التى تمدده, فإن هناك الكثير من الدول والأطراف التى انتهكت هذا الحظر وقامت بتسليح الميليشيات المسلحة, خاصة الموجودة فى غرب ليبيا, ولم يتخذ مجلس الأمن أيضا ضدها أى إجراءات حتى الآن, بل إن الدول الكبرى تغاضت عن تلك الانتهاكات فى إطار لعبة المصالح والنفوذ والتنافس فى ليبيا, وهو ما زاد من تعقيد المشهد, خاصة أن استمرار الميليشيات المسلحة التى تسيطر على الكثير من المدن الليبية يمثل أيضا أحد أبرز ألغام المشهد السياسى الليبى, ويعقد من عملية توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية وتفكيك ونزع أسلحة تلك الميليشيات ودمجها فى الجيش الوطنى الليبى.

لذلك فإن الرهان على إمكانية أن يلعب مجلس الأمن دورا فاعلا فى الأزمة الليبية هو رهان خاسر بسبب حالة الشلل التى يعانيها المجلس واعتبارات المصالح للدول الكبرى, وبالتالى فإن الرهان الأساسى لحل الأزمة هو على الشعب الليبى وكل الأطراف الليبية من خلال التعجيل بتحقيق مصالحة وطنية شاملة والتقدم بالعملية السياسية للأمام وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاتفاق على القاعدة الدستورية والمضى قدما فى إجراء الانتخابات, والتعلم من دروس السنوات الماضية لأن الاستقطاب والمراهنة على الخارج قاد ليبيا إلى المجهول.


لمزيد من مقالات ◀ د. أحمد سيد أحمد

رابط دائم: