رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المشروع 1619: كيف ننقله إلى عالمنا العربى؟

منذ ثلاث سنوات، أطلقت مجموعة من الصحفيين الأمريكيين حملة بعنوان: المشروع 1619، تهدف إلى إعادة كتابة تاريخ الولايات المتحدة من وجهة نظر أصحاب البشرة السمراء، زنوج أمريكا المنحدرين من أصول إفريقية. اختاروا العام 1619، لأنه شهد وصول أول قافلة عبيد على متن سفينة هولندية، قادمين إلى القارة الجديدة من أنجولا، مكبلين بالسلاسل. صاحبة المشروع نيكول هانا جونز أطلقته عبر مقال نُشر فى صحيفة النيويورك تايمز، وقد أثار زوبعة فى الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية، بين مؤيد ومعارض. معارضو المشروع، وعلى رأسهم الرئيس السابق دونالد ترامب، قالوا إن فيه تزويراً للحقائق وتشويهاً للتاريخ، وقد أيّده الكثيرون، ومن بينهم كاميلا هارست، نائب الرئيس الحالى جو بايدن.

المشروع مر مرور الكرام فى عالمنا العربي، ولم يُذكر لا فى الصحف والمواقع الإلكترونية أو فى نشرات الأخبار، لأن العرب لديهم ما يكفى من الهموم والمشاكل.

ماذا لو فكرنا فى نقل التجربة إلى عالمنا العربي؟ من أين نبدأ وعن وجهة نظر من ندافع؟ فى التاريخ العربى الحديث الكثير من الأساطير المتوارثة شفهياً عبر الأجيال، حان الوقت للعودة إليها بشكل جدى ومحترف لأنها تحوّلت مع مرور الزمن من خيال شعبى أو ثرثرة فى المقاهى الشعبية إلى حديث نخبوى فى صالونات المجتمع وعلى صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، يتعامل معها الناس وكأنها عين الصواب ونِبراس الحقيقة.

منذ عام 1998، عملت جاهداً على سماع وتدوين مئات الشهادات التاريخية لكبار السن فى كلّ من دمشق وبيروت والقاهرة. بعضهم كان صانع أحداث بجدارة، من رؤساء ووزراء وسفراء، والبعض الآخر كان مجرد شاهد على العصر من زاويته الحياتية. إذ قد يكون بائع جرائد بسيط فى سوق الحميدية بدمشق، أو قناصاً فى إحدى ميليشيات الحرب اللبنانية، أو سائق تاكسى فى شوارع القاهرة.

لقد تعاملنا مع جميع الشخصيات العربية المعاصرة والقصص المرتبطة بهم كما لو أنها قرآن التاريخ، ولم نفرق يوماً بين الحقيقة والخيال الوطنى والشخصى. أذكر هنا، على سبيل المثال، كل ما نُقبل عن بطولات أحمد عرابى باشا قبل اعتقاله سنة 1882، دون أخذ رأى الخديو توفيق فيه وثورته. وفى سوريا مثلاً مقولة شهيرة تنسب للجنرال الفرنسى هنرى جورو الذى دخل مدينة دمشق محتلاً سنة 1920 فذهب إلى قبر صلاح الدين الأيوبى وقال: «ها قد عدنا يا صلاح الدين، وجودى هنا يكرس انتصار الصليب على الهلال.» لا توجد صورة للجنرال الفرنسى عند هذا الضريح، وهو أمر غريب لأن الجنرال غورو كان مصوّراً ماهراً أقرب إلى المحترف، يعشق التقاط الصور التذكارية لنفسه ولما يدور حوله من أحداث، ومجموعة صوره الكاملة محفوظة فى وزارة الخارجية الفرنسية بباريس حتى اليوم. من المستغرب أن يكون قد زار الضريح دون أخذ صورة تذكارية، طالما أنه اعتبر وجوده فى دمشق انتصاراً للصليب على الهلال. ولا يرد هذا الكلام فى مذكرات الرجل أو فى أى جريدة فرنسية أو سورية صدرت عند احتلال دمشق. فمن أين أتت هذه القصة الموثقة وكيف تداولها السوريون من جيل إلى جيل؟ ولقد تحوّلت إلى أمر واقع عندما رواها الرئيس السورى شكرى القوتلى أمام نظيره المصرى جمال عبدالناصر عند زيارتهم الضريح عشية إعلان الوحدة السورية المصرية سنة 1958. أعجب بها عبدالناصر كثيراً وصار يرددها، فدخلت كتب التاريخ من يومها، دون أى سند.

وإذا دخلنا فى تاريخ الفن، نجد أن جميع الناس يتحدثون عن غيرة أم كلثوم الحتمية من أسمهان، لأنها كانت تزاحمها على عرش الغناء العربى. والبعض يذهب أبعد من ذلك، ويقول إن مقتل أسمهان سنة 1944 كان بتدبير من أم كلثوم، وهو كلام فارغ طبعاً. وهناك من يقول ويجزم أن المطرب السورى الكبير صباح فخرى دخل موسوعة غينيس لغنائه عشر ساعات متواصلة على أحد مسارح فنزويلا سنة 1968. أتحدى أحداً من الرواة أن يثبتوا حقيقة غيرة أم كلثوم وقصة جينيس التى سألت صباح فخرى عنها ذات يوم وكان جوابه: سمعتها كثيراً ولكنى لم أرها فى غينيس، ولكن من غيرى يستحق أن يدخل هذه الموسوعة!.

التاريخ أمانة...يجب أن تُدرس بشكل علمى...بعيداً عن العواطف والمرويات الشفهية. التاريخ الشفهى مهم، ولكن يجب التعامل معه بحذر، لأن هامش الخطأ فيه واسع للغاية (سواء كان عن قصد أم جهل). الراوى عادة ينقل ما يخدم سيرته الشخصية وليس ما يخدم الحقيقة الكاملة، وتكون السيرة مشوهة عندما يتكلم عنها وهو فى سن متقدما، فيغفل تاريخا معينا أو ينسى ذكر اسم أحد الأشخاص. نحن مجتمع يجل الكبار بالسن ولا نناقشهم أبداً، ويمكن لروايتهم أن تمر وتكتب، لأنها جاءت على لسان ضابط متقاعد، أو شيخ جليل، أو سياسى عتيق. وأكثر من وقع فى هذا الخطأ هم أولاد وأحفاد الشخصيات السياسية العربية الكبرى، لأنهم حولوا أجدادهم إلى قديسين لا يشبهون بنى البشر، ويظهرونهم بأبهى الحالات الوطنية والإنسانية، ويرفضون الاعتراف بأنهم أخطأوا ولو مرة واحدة فى حياتهم. وقد جاءت المسلسلات الدرامية والأفلام الوثائقية العربية الموجهة لتكمل فى تعظيم تلك الشخصيات وتضعها فى مقام الملائكة والقديسين، من أم كلثوم وأسمهان وصباح مروراً بأنور السادات وجمال عبدالناصر والملك فاروق وغيرهم.

كم نحن بحاجة إلى مبادرة تشبه المشروع 1619 لأننا لم نكتب التاريخ بأمانة، ولم نتعامل معه بصدق. بل قمنا بتشويهه لكى نستر عيوبنا كأمة، ولكى نُحمّل الآخرين أوزار فشلنا الجماعى. فجاء تاريخنا العربى المعاصر (والقديم) معلباً، مقطراً جاهزاً للاستهلاك، نظهر نفسنا فيه أما أبطالاً أو ضحايا مؤمرات كونية. اللوم الحقيقى يقع علينا كشعوب لأننا لم نتعلّم شيئا عن مآسى بلادنا، فمضينا فى الطريق المشوّه نفسه بالأساليب والأدوات البالية والخلافات الدينية والعرقية ذاتها. وكتبت التاريخ المعاصر والقديم بطريقة كوميدية تليق بمسلسل باب الحارة السورى الشهير، على طريقة الأبطال والأشرار، وليس بأمة من المفترض أن تكون خير أمةِ أخرِجت للناس.

> كاتب سورى


لمزيد من مقالات سامى مروان مبيض

رابط دائم: