رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سد النهضة والمغالطات الإثيوبية

مع كل يوم جديد يزداد التطابق بين مسلك أكبر عدوين لمصر فى الوقت الحالي، أحدهما عدو أزلى والثانى عدو مستجد. أما الأول فهو إسرائيل التى تناصب مصر العداء منذ قيامها باعتبارها القوة العربية الكبرى، والتى يمثل وجودها الحائل الأكبر ضد هيمنة الدولة اليهودية وسيطرتها على الدول العربية، وأما العدو الثانى فهو إثيوبيا التى تأرجحت علاقتها بمصر على مدى التاريخ الممتد للدولتين ما بين التعايش السلمى والمواجهة العسكرية، وإذا كانت إسرائيل هى مثال لـ«البلطجة» الدولية فى انتهاكها للقوانين والأعراف الدولية بلا ردع ولا محاسبة فإنها على ما يبدو أصبحت المثال الذى تحتذيه إثيوبيا فى انتهاكها الحالى للقانون الدولى وإخلالها بالاتفاقيات المنظمة لحقوق دول حوض النيل، ومثلما اعتمدت إسرائيل على سلسلة من المغالطات لتبرر انتهاكها القوانين والأعراف الدولية، فإن المسلك الإثيوبى فيما يتعلق بأزمة سد النهضة لا يختلف عن ذلك، وربما كانت أكبر المغالطات الإثيوبية فى هذا الشأن هى إنكارها لكون نهر النيل ممرا مائيا دوليا واعتبارها النيل نبعا مائيا عابر لحدودها، والفارق القانونى هائل بين الممر المائى الدولى والنبع المائى العابر لحدود دولة المنبع، فالنيل الذى يمر بأحدى عشرة دولة هو نهر دولى وحوض النهر الدولى يعتبر وحدة هيدرولوجية واحدة لا يجوز تقسيمها، بينما حوض النبع أو النهر العابر لحدود الدولة يعتبر بحيرة تابعة لدولة المنبع، والنهر الدولى يخضع للاتفاقيات المبرمة بين مختلف دوله وفق القوانين الدولية والحقوق المكتسبة لكل دولة، والقانون الدولى لا يسمح بإقامة السدود إلا بموافقة دول المصب، وقد نصت اتفاقية الأمم المتحدة لعام ١٩٩٧ الخاصة بالأنهار الدولية على ضرورة قيام دولة المنبع الراغبة فى إنشاء سد على نهر دولى مشترك بالاتفاق مع الدول المحتمل تضررها، وفى حالة رفض الدول المتضررة ينبغى تأجيل إقامة السد لحين التوافق بشأنه والتراضى حول التداعيات الضارة وتلافيها، كما أن من بين الحصانات القانونية الدولية أن يكون تمويل تلك السدود مشروطا بعدم إضراره بمصالح دول النهر الأخري، وإزاء تلك الضمانات التى يكفلها القانون الدولى فإن إثيوبيا تلجأ لحيلة واهية هى القول بأن الاتفاقية التى وقعتها مع مصر عام ٢٠١٥ قد غيرت طبيعة نهر النيل من ممر مائى دولى إلى منبع مائى عابر للحدود، وهو ما يمثل عبثا بحقيقة الموارد والتضاريس الجغرافية التى أوجدتها الطبيعة والتى ليس من شأن أى اتفاقية يتم توقيعها أن تغير من طبيعتها أو تبدلها، ومثل إسرائيل تعمل إثيوبيا على تصوير أزمتها الحالية مع مصر والسودان على أنها مواجهة مع التكتل العربى تارة والتكتل الإسلامى تارة أخري، وهكذا تبدو إثيوبيا وكأنها الضحية التى تواجه تكتلات جيرانها، بينما هى الجانب المعتدى على دولتى مصب النيل السودان ومصر. وكما تعتمد إسرائيل فى اغتصابها أرض فلسطين على أسطورة دينية مختلف على تفسيرها تقول إن فلسطين هى الأرض التى وعدها الله لليهود، بدأت إثيوبيا هى الأخرى تلجأ لأساطير دينية مختلقة فتقول إن النيل الأزرق الذى ينبع من بحيرة تانا فى إثيوبيا هو هبة من الله ولذا فمن حقها التصرف فى مياهه بالبيع للدول الأخرى كما تبيع الدول العربية والإسلامية نفطها لدول العالم، متجاهلة أن النيل الأزرق رافد أصيل من روافد نهر النيل الدولى تماما مثل النيل الأبيض الذى ينبع من بحيرة فيكتوريا فى تنزانيا وأوغندا وكينيا وهو المجرى الرئيسى للنهر.

وقد استخدمت إثيوبيا فى ترويج أسطورتها المختلقة بعض الأئمة المسلمين الموالين للحكومة وفى مقدمتهم الشيخ حاجى عمر إدريس المفتى العام ورئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذى أفتى بأن إثيوبيا وعدها الله النيل وأنه ليس من حق مصر استخدام المياه التى تنبع فى غير أرضها (!)، كما صرح بأن الشريعة الإسلامية تقضى بأن البلد الذى ينبع فيه الماء من حقه استخدامه لسد حاجته ثم منحه بعد ذلك لجيرانه إذا أراد، وهو الادعاء الذى فندته دار الإفتاء التابعة للأزهر الشريف استنادا للحديث النبوى الذى يشير إلى أن الماء المتدفق لا يخضع للملكية وأنه حق للبشر جميعا. وإذا كان صوت بعض القيادات الإسلامية الموالية للحكومة الإثيوبية قد بدأ يعلو أخيرا فى البلاد فذلك يأتى بعد عقود طويلة من الاضطهاد، فالمسلمون فى إثيوبيا هم الجماعة المستضعفة على مدى التاريخ رغم أنهم أكبر الجماعات الدينية فى البلاد، حيث يمثلون حوالى ٣٥٪ من التعداد، وقد بدأت الحكومة الإثيوبية أخيرا استغلال تلك الجماعة فى محاولة لأسلمة أزمة سد النهضة بعد أن ظل المسلمون فى إثيوبيا محرومين من إعلان هويتهم الدينية أو ممارسة شعائرهم الدينية فى العلن، بل إن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذى اعترفت به الحكومة الإثيوبية فى يناير ٢٠٢٠ كان جهازا محظورا طوال العقود الستة الأخيرة، وتلك المغالطات التى تروجها إثيوبيا تدحضها الاتفاقيات الخمس التى وقعتها مع مصر منذ نهاية القرن الـ١٩ وخلال القرن العشرين.

[email protected]
لمزيد من مقالات ◀ محمد سلماوى

رابط دائم: