رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تنمية الريف.. فرص الحياة وتغيير التفكير

يشكل اتجاه الدولة لتنمية الريف، ومواجهة الفقر الذى يؤرق قراه، تحولا شاملا فى تحقيق عدد من الأهداف فى مقدمتها تأكيد العدالة الجغرافية، حيث لم تعد المدن تستأثر بالاهتمام والموارد وحدها، بل صار الريف أيضا موضع اهتمام، فيما يمكن تسميته تمكين الريف. وبالإضافة إلى توفير الحياة الكريمة لقطاع عريض من المواطنين، فإن تنمية الريف تأتى بعوائد أخرى منها تجفيف منابع الهجرة غير الشرعية من خلال إعطاء الفرص البديلة للمواطن، واستعادة التوازن فى توزيع السكان بين المحافظات.

وبالطبع عندما تتجه الأنظار إلى تنمية الريف، يأتى فى المقدمة التفكير فى انشاء وإصلاح البنية الأساسية، والمرافق، والتوسع فى المدارس والجامعات، بناء المساكن الملائمة، القضاء على مظاهر الفقر من خلال برامج الحماية الاجتماعية والمشروعات الانتاجية، ولكن ينبغى أن نفكر أيضا فى الأبعاد الاجتماعية والثقافية للتنمية، حيث إن الكثير من المشكلات التى نعانى منها فى المجتمعات الريفية تبدأ فى الذهن، وتتغذى على الصور النمطية الخاطئة.

مثال على ذلك الهجرة غير الشرعية، حيث نجد الأسرة التى تشجع أبناءها على ذلك، وترفض عودتهم الطوعية، وفى ذهنها أن عبور الشاطئ الآخر من البحر المتوسط فرصة يمكن أن تحدث نقلة اجتماعية للأسرة بأكملها. ورغم أن مصر استطاعت أن تقدم نموذجا مهما فى وقف الهجرة غير الشرعية، حيث لم يخرج من شواطئها مركب واحد منذ عام 2016، واستنت قانونا متميزا يواجه هذه القضية، إلا أن حلم الهجرة غير الشرعية يراود البعض، وهناك محاور أخرى فى جنوب البحر المتوسط يمكن أن يلجأ إليها الراغبون فى ذلك. السبب يعود إلى وجود طلب اقتصادى على ذلك، وهو ما تسعى الدولة المصرية إلى تجفيف أسبابه من خلال مشروعات التنمية الكبرى، ولكن هناك أفكارا خاطئة فى أذهان الأسر، والشباب، وصغار السن تجعلهم دائما يفكرون فى الهجرة غير الشرعية بوصفها حلما، وحرية، وهى ليست كذلك بالنظر إلى الانتهاكات التى يتعرض إليها الشخص على جميع الأصعدة فى البلاد التى يقصدها. ويرتبط الأمر بظهور بعض الحالات التى انتشرت فى القرى من حدوث تغيير اجتماعى نتيجة سفر بعض أبناء الأسر إلى الخارج، ثم عودتهم بعد تقنين أوضاعهم، ولجوئهم إلى التظاهر بالثراء، والتفاخر الاجتماعي، بدءا من الرغبة فى الزواج من بنات العائلات الأكثر ثراء، أو بناء مساكن فاخرة تحمل سمات معمارية تفوق عموم المنازل فى القرية، وغيرها. ويبدو أن الهجرة النظامية وغير العشوائية على السواء كانت من أسباب الاختلال فى الأوضاع الاجتماعية داخل نفس القرى، التى كانت يتسم سكانها بالتشابه فى الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

مثال آخر على أهمية التنمية الثقافية جنبا إلى جنب مع التنمية الاقتصادية هو ضعف القدرات الإنتاجية للقرى فى الوقت الذى حدث فيه اندماج إعلامى يتمثل فى كثافة استخدام وسائل الاتصال، والإعلام، والتواصل الكثيف مع العالم الخارجى. وهنا تبدو المفارقة. جانب من سكان القرى يعانى من تهميش وفقر، ولكن الإعلام الكثيف أدى إلى ثورة توقعات متزايدة لديهم، وتزايد النظرة المادية للأمور، وتراجع منسوب رأس المال الاجتماعى الذى يقوم على الثقة المتبادلة بين الناس، والتضامن والعمل المشترك. وإذا كانت التنمية تحقق ما يمكن تسميته العدالة الاقتصادية فى الريف، فإن التنمية الثقافية تحقق العدالة الثقافية، من خلال وصول المنتجات الثقافية على تنوعها إلى الريف، مثلما تصل إلى المستهلك الثقافى فى المدينة. مثال ثالث التعليم، ويتمثل فى انشاء مؤسسات تعليمية متقدمة، ورغم التوسع فى إنشاء مؤسسات تعليمية سواء كانت مدارس أو جامعات، إلا أن الأمر يقتضى التوسع فى التعليم الفنى بما يحمله من تغيير النظرة إلى مفهوم العمل ذاته، وإعداد العنصر البشرى القادر على المنافسة، محليا وإقليميا، وربما نتجه إلى إنشاء نوعية متخصصة من المؤسسات التعليمية التى تمد الدراسين بمهارات فنية تخصصية تساعدهم على الاندماج فى سوق العمل، الذى يحتاج فى أوقات كثيرة إلى العمالة المتعلمة المتخصصة رغم وجود فوائض فى اعداد الخريجين من تخصصات دراسية ليس عليها طلب كثيف فى سوق العمل. فى ضوء ما سبق نؤكد أن التنمية بأشكالها المتعددة هى الأمل الحقيقى فى تطوير نوعية الحياة فى المجتمع، التنمية التى تعزز الفرص الاقتصادية، خاصة التنمية الثقافية التى تدعم الاستنارة الذهنية.


لمزيد من مقالات د. سامح فوزى

رابط دائم: