رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أزمة الأوروبي المعاصر

بعد عشرين عامًا فقط من فوزه بالسعفة الذهبية عن فيلمه غرفة الابن عاد المخرج الايطالى الكبير نانى موريتى الى المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائى بفيلمه ثلاتة طوابق. بدأت نقطة البداية من حادث قتل خطأ بالسيارة ذات مساء. والذى تسبب فى قلب حياة سكان احدى البنايات فى روما رأسا على عقب. ثلاث حكايات لثلاث اسر تفككت امامنا لمدة عقد من الزمان لنشهد عن قرب كيفية استنزافهم لبعضهم البعض. حيث استطاع المخرج نانى موريتى ان يرينا بعمق الامراض التى أصابت المجتمع الأوروبى المعاصر. والقصة تخفى وراءها العديد من الاطروحات الهامة.يأتى على رأسها بشكل عام فشل كل الشخصيات الذكورية فى الفيلم فى مسعاهم، لانهم عالقون فى ادوار قديمة لا تجلب لهم ولا لأحبائهم السعادة. هناك شخصية قاض صارم وشريف يلعب دوره المخرج نفسه فى حالة صراع دائم مع ابنه بسبب تمرد الاخير وقتله خطأ فتاة شابة بسيارته وهو سكير. يطلب الابن منه التوسط لدى رئيس هيئة القضاء صديقه لإعفائه من المحاكمة فيقول له الاب انه أخطأ ولابد ان يسجن. ويسجن الابن فعلا ويهدد القاضى زوجته بضرورة ان تقطع اى علاقة بهذا الابن الفاشل والا سيطلقها. لكن الام تزور الابن فى السجن فيقول لها انه يريد ان تختفى هى والاب من حياته تماما لانهما أفسدا حياته بسبب عدم تقبلهما لاخطائه منذ ان كان طفلا. وانهما كانا ينفران منه بدلا من استيعابه.

وهناك عائلة رجل يدعى المثالية يترك ابنته البالغة من العمر 7 سنوات فى رعاية جاره العجوز المريض. وتختفى الابنة فجأة فيبحث عنها الاب فى الحديقة العامة ويشك ان العجوز اعتدى عليها الابنة تنفى ذلك لكن الاب لا يصدق ويذهب الى المستشفى التى أودع بها العجوز ويحاول قتله لقناعته ان الاعتداء تم بالفعل .يتورط الاب المثالى هذا فى علاقة جسدية مع حفيدة العجوز المعجبة به والتى اصبحت شابة جميلة. يموت العجوز وتبلغ حفيدته الشرطة ان الرجل المثالى اغواها وأفقدها عذريتها. رغم ان المثالى هذا هو الذى يتهم الجميع بالخداع والاعتداء والإخلال الدائم بالقيم. تقرر زوجة العجوز وجدة الحفيدة ان تلاحق هذا الرجل المثالى قضائيا فتتدمر حياته بسبب تناقضاته تلك. ومع ذلك لا يعتذر أبدا أو يكفر عن أخطائه العديدة. فبعد عشر سنوات، مازالت تطارده قصة لم يستمع فيها إلا لأوهامه. وهناك أسرة ثالثة بالبناية الزوجة فيها أسيرة لهلاوس سمعية وبصرية. تتخيل أن أخا زوجها يطمع فيها وان غرابا قابعا امامها بالمنزل دائما. وما ان تلد طفلها الثاني, لا تتحمل ضغوط تربية طفلين وحدها وتهرب من المنزل.

والسبب كما يقول الفيلم هو أنها وحيدة و مهجورة لشهور متتالية من قبل زوج يعمل خارج المنزل طول الوقت، فتقطع علاقتها تدريجيا مع الواقع حتى نقطة اللاعودة.

بناء الفيلم يشبه فقاعة صابون هشة تهدد بالانفجار فى أى لحظة. دراما مبنية على الاوهام التى تحتل رءوس بعض البشر وتتسبب فى تعاستهم هم ومن حولهم. عبقرية المخرج كانت فى جعل المشاهدين يرون جانبا من انفسهم فى كل شخصية من الشخصيات. فكلنا شكاكون والكثير من الرجال غيرتهم مرضية والكثير منهم ايضا يعملون بجنون بدون الانتباه لمشاعر زوجاتهم. كما ان الكثير من الآباء مستحوذون.

قصص من ايطاليا حقا لكنها تبدو كما انها تحدث فى القاهرة او فى اى مدينة عربية اخري. مما يجعلنا نتساءل هل اهل روما يشبهوننا ام ان المجتمع المعاصر هو الذى صنع منا جميعا نفس المرضى النفسيين؟

نعم نصبح كذلك لأننا غير منفتحين او قابلين للاختلاف. فالابن الفاشل يصبح نافعا بعد خروجه من السجن وينجح فى مشروع لانتاج العسل لكن بعد ان توفى أبوه القاضي. والرجل المثالى قد فهم انه ليس كذلك وعلمته قسوة التجربة الا يستحل ما يكرهه فى الآخرين والا يستسلم لشكوكه.

والرجل مدمن العمل أيقن خطأه لكن بعد فوات الأوان وهروب الزوجة. ومن هنا يظهر المغزى الدرامى وهو حتمية تغييرنا لصفاتنا السيئة و تخلينا عن وجهات النظر التى نفرضها على من حولنا. اى التجرد من التحيزات، وهو من أهم ما يحتاجه البشر فى عالم اليوم.


لمزيد من مقالات د. أحمد عاطف درة

رابط دائم: