رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أوهام وحقائق أزمة سد إثيوبيا

فى كشف أوهام إثيوبيا وفى كلمته التاريخية بجلسة مجلس الأمن الثانية التى انعقدت حول أزمة سد النهضة فى 8 يوليو 2021 سجل السيد سامح شكرى وزير خارجية مصر: أنه بعد بضعة أيام من جلسة مجلس الأمن الأولى بشأن أزمة سد النهضة يوم 29 يونيو 2020، شرعت إثيوبيا فى الملء المنفرد لسد النهضة، وأعلن وزير خارجيتها بعجرفة وصلف أن النهر تحول إلى بحيرة؛ وأن النيل ملك لنا!! وسجل وزير خارجية مصر أنه مجددا وقبل ثلاثة أيام من الاجتماع الثانى لمجلس الأمن بشأن أزمة سد النهضة بدأت إثيوبيا الملء الثانى لسد النهضة بشكل أحادي، وذكر وزير خارجيتها فى خطاب موجه إلى مجلس الأمن إن ملء وتشغيل سد النهضة ــ دون السعى للتوصل إلى اتفاق مع مصر والسودان ــ مجرد ممارسة للحد الأدنى من حقوق إثيوبيا السيادية كدولة مشاطئة فى مجرى مائى دولي!!

وفى هذا المقال، أركز على كشف أوهام وأكاذيب أثيوبيا، وطرح حقائق ومواقف مصر فى أزمة سد النهضة. وأسجل، أولا، من منظور الأوهام والأكاذيب إثيوبيا، ما خلص اليه وزير خارجيتنا بقوله إن تصرفات إثيوبيا الأحادية ترمى إلى أسر نهر النيل والتحكم فيه وتحويله من نهر عابر للحدود جالب للحياة إلى أداة لبسط السيطرة، وتطالب دول المصب بالإقرار بسيطرتها المطلقة على النهر، وتسعى الى استخدام التفاوض لتكريس حقها المطلق لتشييد مشروعات مستقبلية على مجرى النيل الأزرق دون ضوابط أو معايير تحكمها. وقد عبرت إثيوبيا عن هذا التوجه بشكل لا لبس فيه فى خطاب لوزير المياه الإثيوبى مؤرخ فى 8 يناير 2021 ذكر فيه أنه لا يوجد أى إلزام على إثيوبيا سواء بموجب القانون أو الممارسة للتوصل إلى اتفاق مع دولتى المصب لتشييد سد النهضة أو أى مشروعات مائية مستقبلية. كما وضعت إثيوبيا هذه السياسة موضع التنفيذ باعلان رئيس وزرائها يوم 30 مايو 2021 أن بلاده تخطط لتشييد ما يزيد عن مائة سد خلال العام المقبل، دونما أى إشارة ولو عابرة لحقوق ومصالح الدول المشاطئة للأنهار الدولية النابعة من إثيوبيا، وكأنها تمتلك حقوق ملكية حصرية لنهر النيل والأنهار الأخرى التى تتشارك فيها مع جيرانها.

وثانيا، أن وزير خارجية مصر قد أعلن أن السبب الأوحد لإخفاق المفاوضات هو التعنت الإثيوبي، الذى تجلى فى رفضها إبرام اتفاق قانونى ملزم، وإصرارها على التفاوض حول وثيقة لا تعدو مجرد قواعد إرشادية، ومعارضتها تضمين الوثيقة أحكاماً ملزمة لتسوية المنازعات بما يضمن لها اليد العليا فى تعديلها كيفما تشاء. وأن إثيوبيا ترفض الاعتراف بحصص مصر والسودان من مياه النيل الأزرق، متذرعة بحجج واهية؛ من قبيل الظلم الذى تعرضت له بسبب ما تطلق عليه الاتفاقيات الاستعمارية، بينما لم تكن إثيوبيا فى يوم من الأيام مستعمرة، ولم تبرم أى اتفاقية تتعلق بالنيل تحت الإكراه أو القسر. وأن إثيوبيا قد عرقلت جميع مساعى إجراء دراسة علمية محايدة ومشتركة حول الآثار السلبية لهذا السد وحول ضمانات مؤكدة بشأن أمانه وسلامته الإنشائية.

وأما من منظور الحقائق والمواقف المصرية، فاسجل أولا، حقيقة أوضحها وزير خارجية مصر وهى أن الأُمة المصرية، التى يتجاوز تعدادها أكثر من مائة مليون نسمة، تواجه تهديداً وجودياً؛ ببناء كيانٌ هائل على الشريان الذى يهب الحياة لشعب مصر، وقد حذرنا من مغبة السعى لفرض السيطرة والاستحواذ على نهر يعتمد عليه بقاؤنا. وأضاف وزيرنا القدير أنه على الرغم من جميع الإجراءات الوقائية التى اتخذناها تحسباً للملء الأحادى للسد الإثيوبى، ورغم جميع جهودنا المضنية لحفظ مياهنا وإعادة تدويريها واستخدامها؛ فإن الضرر الذى قد ينتج عنه يهدد حياة الشعب المصري. وأوضح أنه فى غياب اتفاق ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، فإن هذا السد قد يؤدى إلى عجز متراكم للمياه بمصر يبلغ نحو 120 مليار متر مكعب، وهو ما يقلل سبل الحصول على مياه الشرب النظيفة، ويحرم ملايين العاملين فى قطاع الزراعة من المياه اللازمة لرى أراضيهم، ويدمر مساحات واسعة من الأراضى الزراعية، ويساهم فى زيادة ظاهرة التصحر وتدهور النظم البيئية، وهو وضع لا يمكنُ لمصرَ أن تتحمله، بل لن تتقبله أو تتسامح معه.

وأضيف، ثانيا، ما كتبته فى مقالات سابقة أقول: إن مياه النيل المتدفقة الى مصر ليست منحة أو منة من أحد ولا هى فضل أو فضلة؛ وهى حقوق مكتسبة تاريخيا وجغرافيا، أمنتها الطبيعة ويحميها القانون الدولي، وليست موارد مغتصبة، كما روج ولا يزال دعاة منع مياه النيل عن مصر أو بيعها لمصر! وحياة مصر هى نهر النيل، حيث تعتمد على حصتها من مياه النيل فى تغطية نحو 97% من سد احتياجاتها من المياه العذبة المتجددة اللازمة للحياة، ولا تسهم مياه الأمطار أو المياه الجوفية إلا بالنسبة الهامشية الباقية. والمياه العذبة المستغلة فى مصر هى الأدنى مقارنة بغيرها من دول حوض النيل، ولا تزيد نسبتها على نحو 20% من احتياجاتها المائية، مقابل أكثر من 164% فى أثيوبيا، ولا تتعدى كميات استهلاك المياه فى مصر حوالى 7% مقارنة بإثيوبيا. ووفقا لبيانات البنك الدولى فى عام 2017 فان متوسط نصيب الفرد من المياه العذبة الداخلية المتجددة لم يتعد نحو متر مكعب واحد فى مصر، مقابل نحو 122 مترا مكعبا فى إثيوبيا.

ودفاعا عن أمن مصر المائى تبنى حزب الوفد مبدأ تخزين مياه النيل داخل حدود مصر بدلا من خيارات التخزين بأعالى النيل، التى أريد بها أن تكون مصر فريسة للمتربصين بها. وقد قامت ثورة 23 يوليو 1952 المفترى عليها ببناء السد العالي، الذى يقلص خسائر الخفض المحتمل، الذى يتفق عليه، فى فترة ملء السد الإثيوبى وربما خلال سنوات الجفاف الممتد.

وللحديث بقية عن خيارات وقدرات مصر بقيادة الرئيس السيسى على حماية حصتها من مياه النيل وأمنها المائى.


لمزيد من مقالات د. طه عبد العليم

رابط دائم: