رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ماذا تبقى من آثار حرب 2006؟

يوم الاثنين الماضى مرّ خمسة عشر عامًا على العدوان الإسرائيلى على لبنان الذى وقع يوم١٢يوليو-تمّوز٢٠٠٦ بذريعة قيام حزب الله باختطاف جنديين إسرائيليين لمبادلتهما بأسرى لبنانيين.كانت هناك مجموعة من العوامل التى حتّمت تفجير إسرائيل الموقف مع حزب الله،أبرزها تنامى النفوذ الإيرانى فى المنطقة بعد الاحتلال الأمريكى للعراق وما ارتبط به من تطورات سياسية،وكذلك كشف جماعة مجاهدى خلق الإيرانية المعارضة قيام إيران بتخصيب اليورانيوم سرًا بعيدًا عن أعين الوكالة الدولية للطاقة الذرية،وبالتالى تحركت إسرائيل لضرب أحد أهم حلفاء إيران فى المنطقة:حزب الله.ظنت إسرائيل أن هذا الهدف ممكن وركّزت ضرباتها بالأساس على مناطق تمركز الحزب وأنصاره فى ضاحية بيروت الجنوبية وفِى جنوب لبنان،ثم لم تلبث أن وسعّت بنك أهدافها لتشمل مرافق لبنان الحيوية من جسور وشبكات كهرباء..إلخ وهذا لا شأن له بحزب الله،لكن المقصود كان هو تأليب الرأى العام اللبنانى على الحزب من منظور أن اختطافه الجنديين هو الذى أدى لإشعال الحرب.وساعد على شيوع هذا الانطباع تذمر حكومة فؤاد السنيورة من إقدام حزب الله بإرادته المنفردة على تسخين الحدود اللبنانية-الإسرائيلية وتوريط الدولة فى مواجهة مع إسرائيل،وهو ما كان يرد عليه حزب الله بأن اختطاف الجنديين تم فى أرض لبنانية (مزارع شبعا)تحتلها إسرائيل.كان إذن هذا هو الإطار العام لما جرى فى ١٢ يوليو ٢٠٠٦والذى يُعّد نقطة تحول مهمة سواء على مستوى توازن القوة مع إسرائيل، أو على مستوى تطور النظام الإقليمى العربي،أو على مستوى الداخل اللبنانى نفسه،فماذا تبقّى من تلك الآثار فى يوليو٢٠٢١؟

لقدغيّرت حرب تموز قواعد الاشتباك بين حزب الله وإسرائيل،فمن جهة وصلت صواريخ حزب الله إلى العمق الإسرائيلى رًدا على قصف العمق اللبناني،وهدد الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله باستهداف حيفا ومابعد حيفا ومابعد بعد حيفا إذا لزم الأمر، وحقق الحزب إنجازًا مهمًا آخر باستهداف البارجة الإسرائيلية ساعر-٥ ممااضطر إسرائيل لإبعادها عن السواحل اللبنانية.لكن من جهة أخرى فإن القوة التدميرية للعدوان الإسرائيلى كانت ضخمة،كما أن قرار مجلس الأمن رقم ١٧٠١ الذى أنهى الحرب وتضمّن تعزيز قوة اليونيفيل بإرسال ١٥٠٠٠جندى إضافيين مع انسحاب إسرائيل إلى الخط الأزرق،قضى بانتشار الجيش اللبنانى فى الجنوب لأول مرة وانسحاب حزب الله إلى شمالى لبنان،وهذا النوع من توازن الردع حال دون اندلاع مواجهة عسكرية مفتوحة بين الطرفين على شاكلة ما حدث فى ٢٠٠٦ رغم توافّر مقوماتها أكثر من مرة، لكن الأمرلم يسلم من مهاجمة أهداف فى الضاحية الجنوبية بطائرات مسيّرة كما حدث فى أغسطس ٢٠١٩،أو استهداف لعناصر من حزب الله بدمشق فى العام نفسه.وبقدر ما تم تثبيت معادلة الردع المتبادلة بين الطرفين،لم يكن من الوارد أن تمتد مفاعيل صفقة القرن الأمريكية لتشمل لبنان، وظلت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية اللبنانية-الإسرائيلية مرتبطة بهدفها الحصري. وفيما يخص الأثر الذى أحدثته حرب تموز على مستوى النظام الإقليمى العربي،فقد كان الأثر الأهم هو تعميق حدة الاستقطاب الطائفى الذى كان قد بدأ مع الاحتلال الأمريكى للعراق،فلقد أسست بعض الدول العربية مواقفها من هذه الحرب على أساس طائفى من منطلق أنها حين تنتقد «مغامرة حزب الله» بأسر الجنديين الإسرائيليين فإنها إنما تتصدى لتمدد النفوذ الإيراني.لاحقًا اكتسبت المخاوف مما أُطلِق عليه «الهلال الشيعي» زخمًا أكبر باندلاع الصراع الداخلى فى كلٍ من سوريا واليمن وتورط الحرس الثورى الإيرانى وحزب الله لاسيما فى ساحة الصراع السورية.الآن يتجه هذا الاستقطاب الطائفى إلى بعض الانفراج لأنه يستمد جزءًا من وقوده من البيئة الدولية وقد تغيرت هذه البيئة بوصول چو بايدن لسدّة الحكم فى البيت الأبيض،وهانحن نتابع المساعى العراقية للتقريب بين مركزّى الاستقطاب السنّي-الشيعى فى المنطقة أى السعودية وإيران،ولن نتفاجأ إذا امتدت تلك المساعى لأطراف عربية أخرى،ويتوازى ذلك مع تراجع الخطاب الطائفى فى العراق وسعيه لتحقيق التوازن فى علاقته بكلٍ من الولايات المتحدة والعرب فى جانب وإيران فى جانب آخر.

نأتى لآخر أثر من آثار حرب تموز وهو ذلك الذى يتعلق بالوضع الداخلى اللبناني،وكانت هذه الحرب قد عمّقت الخلل فى توازن القوة بين حزب الله من جهة وباقى الأطراف السياسية من جهة أخرى،صحيح أن السلاح فى لبنان لا يقتصر على حزب الله لكن لا مقارنة سواء بين نوعية ما يتوافر له من سلاح وتدريب عسكرى وماهو موجود لدى الأطراف الأخرى.ومثلّت أزمة الحزب مع حكومة فؤاد السنيورة فى عام ٢٠٠٨حول بعض القرارات الحكومية التى اعتبرها الحزب تعرّض أمنه للخطر-مناسبة لعرض الحزب قوته فى بيروت الغربية معقل الطائفة السنية.ولما كان البلد على حافة اضطراب داخلى كبير فقد دعت قطر الأطراف السياسية للتفاهم،وخرج علينا اتفاق الدوحة ببدعة صارت لاحقًا من محاور التجاذب السياسى اللبناني:بدعة احتفاظ المعارضة بثلث الحقائب الوزارية حتى توقف أى قرارات حكومية لا تخدم مصلحتها.هذا الثلث الضامن أو المعطّل الذى أريد به تجاوز أزمة عام ٢٠٠٨أصبح بنظر البعض من الحقوق المكتسبة التى لا يجوز التنازل عنها،وفِى أزمة تعثر تشكيل سعد الحريرى حكومته منذ نحو عشرة أشهر الكثير من اللجاجة فى الدفاع عن الحق فى الاحتفاظ بالثلث المعطّل الذى لا يوجد له أى سند دستوري. هذا هو إذن حصاد خمسة عشر عامًا تفصل بين تمّوز ٢٠٠٦وتمّوز ٢٠٢١،وهو حصاد مفيد جدًا فى تحجيم العدوانية الإسرائيلية حيال لبنان، لكنه كارثى الأثر على الداخل اللبنانى بتعميق الاختلالات السياسية السابقة عليه،أما النظام الإقليمى العربى فإنه وإن تعافى قليلًا من المزاج الطائفى الذى سيطر عليه فإنه تعرض لعوامل تعرية أخرى كثيرة باتت تشكك فى أنه لايزال على قيد الحياة.


لمزيد من مقالات د. نيفين مسعد

رابط دائم: