رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عن أزمة الدور والعدالة المغيّبة فى مجلس الأمن

لن تتوقف الأسئلة بشأن ما قيل بمجلس الأمن الدولى فى جلسته بتاريخ 8 يوليو الحالى حول نزاع السد الأثيوبى بين مصر وأثيوبيا والسودان. أسئلةٌ تفرض نفسها وحان وقت الجهر بها عن غياب الأخلاق والعدالة فى هذا الجهاز الدولى المهم أمام الحسابات السياسية الخاصة لدوله دائمة العضوية. بالتعريف القانونى مجلس الأمن هو أحد الفروع الرئيسة للأمم المتحدة المنوط بها حفظ السلم والأمن الدوليين، وبالمفهوم السياسى هو أشبه بحكومة العالم الواقعية رغم ما طرأ على العالم فى العقدين الأخيرين من تغيرات، وبالنشأة التاريخية هو جهاز يضم الدول المنتصرة إثر الحرب العالمية الثانية. وابتداء فإن مجلس الأمن جهاز سياسى وليس جهازاً قضائياً مثل محكمة العدل الدولية، وهو بهذه الطبيعة يمارس مهامه واختصاصاته المنصوص عليها فى المواد 24 وما بعدها من ميثاق الأمم المتحدة، ولا تخضع النزاعات المعروضة عليه للإجراءات القانونية المتبعة أمام محكمة العدل الدولية. لكن ورغم هذا يُفترض أن يمارس مجلس الأمن اختصاصاته بحياد وعدالة، وأن يستلهم فى مواقفه وقراراته مبادئ القانون الدولى وأحكامه من مختلف مصادرها.

ولهذا ستظل تدق فى الآذان عبارة الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفى عنان أن خذلان المجلس لمسلمى البوسنة وما تعرضوا له من إبادة على يد الصرب واغتصاب جماعى للنساء هو يوم عار فى تاريخ مجلس الأمن. أما اليوم الذى تقرّر فيه غزو العراق بالإرادة المنفردة لدولة كبرى واحدة هى الولايات المتحدة رغم رفض باقى الأعضاء الدائمين وذلك عقب (شرشحة) دولية عن أوروبا القديمة والجديدة فكان يوماً لا يُنسى فى تاريخ المجلس، أما عشرات القرارات التى صدرت لصالح الشعب الفلسطينى واصطدمت دائماً بالفيتو إياه فحدّث ولا حرج. مناقشات المجلس حول نزاع السد الأثيوبى تستدعى عدة ملاحظات بشأن طريقة ومعايير عمله وتكشف عن أزمة تهدد مصداقيته المتآكلة يوماً بعد آخر.

الملاحظة الأولي: أن مواقف الدول الكبرى دائمة العضوية أصبحت تتسم بدرجة لا تطاق من الازدواجية والنفاق الدولي. فحين تعلن دولةٌ مثل روسيا أن التهديد باستخدام القوة فى نزاع السد الأثيوبى يجب منعه فهذا أمرٌ يثير الدهشة ويعبر عن التناقض والازدواجية. فروسيا هى آخر دولة فى العالم يحق لها أن تفلسف معارضة استخدام القوة وتعطى بشأنها دروساً لأحد. فقد احتلت روسيا دولاً كاملة وقضت على هويتها وضمت أجزاء من دول أخرى وسحقت سيادتها. كيف تجيء إذن دولة بهذه السلوكيات والقيم لتنكر على دولة أخرى أن تدافع عن حقها فى الوجود وعن أمنها المائى الذى تتوقف عليه معظم مقوّمات حياة شعبها؟ أما الصين فقد كان الظن أنها قوة أخلاقية عادلة لكن يبدو أن هناك دائما روائح استعمارية مبكرة وهيمنة صاعدة ذات رائحة يمكن شمها ولو اختبأت تحت جلود أصحابها لأن استثمارات وتطلعات الصين فى أثيوبيا سبقت قوة المبادئ والقانون الدولي.

الملاحظة الثانية: أن النفاق الدولى الذى مارسه مجلس الأمن بقوله إن مسار الاتحاد الأفريقى هو الآلية الأنسب لحل نزاع السد الأثيوبى ربما اعتماداً على نص الفقرة ا من المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة يقفز على حقيقة ساطعة هى أن الاتحاد الأفريقى أخفق فى الاضطلاع بمهمته، والقول بإخفاقه لا يعنى الانتقاص منه فهو كيان كبير ومحترم لكن هذا الاحترام للاتحاد الأفريقى لا ينفى واقع إخفاقه المتكرّر العائد بالأساس إلى المراوغات والمماطلات الأثيوبية. رؤية مجلس الأمن عن الاتحاد الأفريقى كمظلة للنزاع مغلوطة وغير مفهومة لسبب بسيط هو ان الاتحاد الأفريقى لن يستطيع أن ينجز بأكثر مما تسمح به الإرادة السياسية فى أثيوبيا. وهذه الإرادة عبرت عن أفعالها ومواقفها تجاه مصر والسودان عشرات المرات. ولم تتوقف دولة واحدة فى المجلس فى مداخلتها عند التصريح الأثيوبى بأن النيل أصبح بحيرة أثيوبية. بقدر من التأمل لم يكن مجلس الأمن صادقاً فى بحثه عن حل للنزاع من خلال المسار الأفريقى بقدر ما كان صريحا فى تهربه من ممارسة مهامه واختصاصاته المنصوص عليها فى ميثاق الأمم المتحدة. كان الحديث عن المسار الأفريقى شكلاً من أشكال إنكار العدالة لأن للدول المؤثرة فى القرار مصالح وحسابات إستراتيجية بعضها مع أثيوبيا والأخرى ضد مصر.

الملاحظة الثالثة: أن مجلس الأمن قد قبل بغرابة الزعم الذى سوّقته أثيوبيا وهو أن السد قضية تنموية لا تدخل ضمن اختصاصاته المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين. وهذا زعم مغلوط لأنه إذا كانت مصر كطرف متضرر فى النزاع قد أعلنت أنه إذا واصلت أثيوبيا مماطلاتها فى إبرام اتفاق قانونى ملزم واستمر الإخفاق قائماً فلن يكون أمامها سوى الدفاع عن حق شعبها فى الوجود فمعنى ذلك أن الأزمة تتعلق بصلب السلم والأمن الإقليمى وهو بضعة من السلم والأمن الدوليين. وهذا يدخل فى صلب اختصاصات مجلس الأمن. يدرك مجلس الأمن أن هناك ثلاث حالات يحق للدول الأعضاء فيها اللجوء إليه وهى 1- النزاع الذى يؤدى إلى احتكاك دولى (م 34 من ميثاق الأمم المتحدة) 2- تعريض السلم والأمن الدولى للخطر (م 37-2 من الميثاق) 3- تهديد السلم الدولى أو الإخلال به أو حدوث عمل من أعمال العدوان (م 39 من الميثاق). الحالة الأخيرة ينظرها مجلس الأمن تحت أحكام الفصل السابع من الميثاق الذى يجيز اتخاذ إجراءات تنطوى على الإكراه واستخدام القوة.

قد يجادل البعض فى حدوث إخلال بالسلم الدولى أو تهديد له، لكن ما هو متحقق الآن بالفعل ويصعب إنكاره أننا بصدد نزاع يعرّض السلم والأمن الدوليين للخطر أو ينذر بالحد الأدنى باحتكاك دولي. وقائع النزاع فى العامين الأخيرين تسجل فيه أثيوبيا بالأفعال والمواقف، وأيضاً بالبيانات والتصريحات أنها تتعامل مع نهر داخلى لا نهر دولى مشترك فهل هناك ما هو أكثر تعريضاً للسلم والأمن الدوليين للخطر؟ كان على مجلس الأمن أن ينتبه لخطورة جهر أثيوبيا بأن النيل ملك لها والفائض تمنحه مجاملة لدول المصب لأن ذلك يمثل تحريضاً دولياً لكل دولة منبع لنهر دولى على أن تفعل الأمر نفسه. أثيوبيا بذلك تنتهك وتقود أكبر وأخطر عملية تحريض إجرامى وانقلاب على القانون الدولى للأنهار. ألم يدرك مجلس الأمن ما فى هذا التحريض والانقلاب من خطر على السلم والأمن الدولي؟!

الملاحظة الرابعة: أنه صار مؤكداً أن المجلس يحتاج إلى عملية مراجعة وتطوير لطريقة تشكيله، ونظام التصويت فيه، ولجوانب أخرى عديدة لم تعد تعبر عن الواقع الدولى المعاصر. لقد انقضت لحظة 1945 وطرأت الكثير من المتغيرات على الدول المنتصرة فى الحرب العالمية الثانية. مجلس الأمن أصبح يحتاج أيضاً لقدر من الديمقراطية والأخلاقية تحد من سطوة التسييس الكامل لطريقة عمله وقراراته بطريقة حصرية للحسابات والمصالح الخاصة بدوله الكبرى دائمة العضوية رغم مناقضتها للاعتبارات القانونية والأخلاقية والإنسانية.

فى النهاية ثمة خلاصتان أولاهما أن محكمة العدل الدولية ما زالت خياراً وارداً لطرح النزاع ولو بهدف إصدار فتوى استشارية أياً كانت الصعاب الإجرائية المحتملة. الثانية أن الاعتقاد بكون أثيوبيا قد أحرزت انتصارها النهائى فى قضية السد لا يخلو من مبالغة. ما زال الطريق طويلاً، والمتغيرات واردة، وكسر الإرادات تحتاج لوقت. ومصر هى ابنة الزمن والصبر، ولعلّ من يضحك أخيراً يضحك كثيراً.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: