رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عجائز امشير

أيمن رجب طاهر;

ــ ميت يودع ميتًا...

قالتها السائرة جوارى وهى تدب بخطى وئيدة محنيّة الظهر، تكاد رأسها تلامس ركبتها، تتوكأ على عقصة عكاز وتغمغم بكلمات عبثية، رغم تثاقل قدميها إلا أنها تُبدى همّةً وهى تتبع انكسار الشارع، تجفل سيقانها أمام فلوق النخل الرابضة أسفل جدار بيت متهالك، تربت على أحدها، تتحامل على نفسها وتجلس، أردّد ما قالته ونفسى مأزومة على صديقى الذى تمّت دفنته اليوم بمدافن البلد، لا أدرى لمَ أوصى بستره هنا بالمقابر القديمة رغم أن أبناءه بنوا منامة مسقوفة بالخرسانة وبابُها حديد، بعد الجنازة تعمدّت التمشية بشارعنا، أحدّق فى العمارة المسافرة بنوافذها القصيرة المغلقة وكل دور فيها مدقوق به صندوق التكييف، محلاتها أنوارها زاهية رغم ساعة العصر، مطعم البيتزا يجاور معرض الأدوات المنزلية البلاستيكية، ثالثهما خدمات المحمول.

أنتتر بظهرى حين مرق توك توك يسابق تروسيكلا والولدان عليهما يلوحان بذراعيهما، تعثرت قدمى ووقعت فامتدت الأيدى وأنهضوني، جلستُ على كرسى أمام الكافية، أنفض التراب وأحضر لى الولد كوب الماء، تهدأ أنفاسي، أغمض عينى وأفتحهما، لا تزال العجوز وجهها منكفئ فى عبّها، لكن جسمها الضئيل والخلخال الفضى اللامع بكاحلها ينبش فى ذاكرتى هيئة واحدة تشبهها، يتوهّج فى ذاكرتى دكان سعد بحر ونصفه غاطس أمام النوال، أنا وصديق طفولتى كنا نرقبه وهو يدفع البكرة الكبيرة بين الخيوط ونتراهن على إنهاء المفرش وتعليقه أمام الدكان فأشم رائحة الصوف وأتفرّس صور الأهرامات والجمال السائرة أمامها.

أواخر الصيف أنا وصاحبى كنا نتسابق فى الغيطان لجمع لوز القطن المتبقي، أفرح لالتصاق الدعسوقة بكم جلبابى أما هو فكان يطارد الجراد، يغنى وهو يشير إلى الفتيات فى الجانب المقابل:

غيطنا فيه اللوز والفُص

والصبايا مرصوصة رص

بكفى أضربه على مؤخرة رأسه وأنهاه عن معاكسة البنات، أطلب منه أن يردد معى الأغنية التى غنتها مدرّسة الموسيقى بصوتها الناعم على أنغام الاكسليفون التى أحبها:

نورت يا قطن النيل

زهزه يا قطن يا أبيض

يا فرحة قلب الفقير

فى طريق عودتنا وعلى أكياس القطن الكبيرة بالشونة نتسابق والخفير من بعيد يزعق بصوته أن نبعد فنجرى ضاحكين ونفر قبل أن يلاحقنا، فى السوق نسير مجاورين جمل محمّل بأطنان البوص، لا أدرى لمَ أنتشى لرائحة صنانه، الموازين معلقة والكفتان متدليتان بالسلاسل، نبيع الأرطال القليلة وبثمنها نشترى ما يلزمنا من أقلام وكراسات وأفراخ التجليد العريضة وألوان الشمع..

رفيقى الشقى يثبت طوبة بجوف المقلاع ويطوّح مرات قبل أن يُفلت طرفه فتنطلق قذيفته بسباط البلح فيرخ ونتسابق لجمعه، نستحلب حلاوته ونظل نلعب السيجة إلى أن تميل الشمس نحو المغيب فتقبلن الواحدة تلو الأخرى أو اثنتان اثنتان، يقرفصن أسفل النخلات فأتضايق من تعطيل حصولنا على الرطب، جدتى كانت الأخيرة القادمة فى تأنٍ نحوهن، على كتفها بالة الصوف، تركنها أمام دكان سعد وتقعد بينهن فى مكانها المعهود.

أعلم أن كلًا منهن أنهت عملها فى البيت لكن مقولة جدتى لا تكف ترديدها: اليد البطالة نجسة، فتلاعب أولهن أصابعها بمغزل الصوف، المجاورة لها تتحرّك كرة الخيط فى حِجرها وهى تصنع طاقية بالإبرة الكبيرة، من بيمينها تفتل حبال الليف الرفيعة وجارتها تخيط فتقًا بالزكيبة وجدتى بوجهها الندى تسحب من الكيس قرصًا منقوصًا وتستأنف تضفير السعف ليكمل القفّة وحين تقبل الخالة مرزوقة بقفة الودع وصرّة كبيرة تحملها على ظهرها نطير إليها ونقعى حواليها، ترطن بين العجائز وتضرب الأحجار والقواقع وتجرأت واختطفت واحدة فثبتها على أذنى لأسمع وشوشة البحر كما تدّعى فأخذتها منى وطيبت خاطرى بجمل صغير من الفخار لعبت به بقية النهار ونام بحضنى فى الليل..

أحب الشتاء، فى شوق كنت أنتظر وأصحابى رذاذ المطر، والإمساك بيد جدتى والذهاب معها إلى خلوة سمرها مع رفيقاتها، تغزو البرودة أوصالهن ولا تتغير قعدتهن بل تصحب كلٌ منهن شراب الشعير الذى يُجرى الماء ويشفى أوجاع الجنب أو منقوع البلح المحمّص، وحين تشكو إحداهن من وجع أسنانها تعطيها أخرى صمغ القرض لتلوكها، يرشق أجسادهن تيار الهواء البارد فتتقارب عباءاتهن وأسمع جدتى وهى تعيد لف الملفعة الصوف تردد: أمشير أبو الزعابير يخلى العجوز تقيد الحصير

فى مجاز بيت سعد تنفرج ساقا زوجته وبينهما تربض الرحي، أراها تدير شقها فى تأن لتجرش الفريك وما إن تنهى تعبئته فى الكيس حتى تأتى بماجور تهتمت حوافه وترص الجلة وكعاب البوص مع عظام الذرة اليابسة وتشعل بقايا أزياق القماش أو فتلات الصوف، تمتد أكفهن؛ لتستدفئ بألسنة النيران، تركن التنكة الكبيرة المفحومة، يغلى الشاى وتصبّه، تتعالى رشفاتهن وهن يجتررن سيرًا منسية من حياة أناس آخرين، كعادة جدتى تنشغل أكثر فى تضفير القفة فتحسو شايها فى تمهلٍ ولا تنهى كوبها فأكمله أنا رغم سكره القليل.

ليلة ارتدت جدتى الشقة السواء فتبعتها إلى دكان سعد المغلق، عرفت أنه مات وترحّمت عليه جدتى وبقيت مع الحريم اللاتى يرددن العديد إلى أن شيعت الجنازة، بعد طلعة الأربعين أغلق البيت بالضبة والمفتاح، وعرفت أن زوجة سعد انتقلت للعيش ببيت ابنها الأكبر أول البلد، دون زوجة عم سعد عدن لجلستهن وهن يتهامسن عن انقطاع ماء الدميرة هذا العام، أنتظر بين يوم وآخر أن يفتح واحدٌ من أبنائه الدكان لكن الفئران تُطل من كوة بأعلى الجدار والعنكبوت نسجت خيوطها على زاوية الباب.

جدتى كانت التالية التى ودّعوها ومن يومها لم أطق الذهاب إلى هناك ولكن من بعيد وعند عودتى من المدرسة كنت أرى بقيتهن يتجاورن أسفل النخلات ومن حين لآخر تزورهن الخالة مرزوقة وتبشّر كل واحدة منهن بقرب زواج أولاد الأولاد، تمضى الأيام ويتسرّبن ولم أذكر بعد أن استلمت وظيفتى غير آخرهن، كانت تتوكأ على رمانة عكازها وتجلس وظهرها إلى جذع النخل، أصابعها ترتعش وهو تلف المغزل، ترفع رأسها لأعلى وبلسانها تتلمظ شفتيها النحيلتين وتفتران عن ابتسامة باهتة، لم تلبث أن تغادر وهى تسعل بشدة من أثر غبار السيارات المسرعة، أتأمل ذكر النخيل المائل جذعه فى همود وقد فقد تاجه من الجريد الأخضر، هبّة هواء دفعتنى لأحدّق فى شواشى النخلات المتجاورة، يميل الجريد وكأن السعف يُسر للآخر بما يقاسيه.

رنات المحمول فى يد الجالس قبالتى تصفعنى فينسحب شرودي، تدور عيناى فى الشباب ومهاتراتهم التى لا تتوقف، بعضهم منطوٍ يقلب بإصبعه صفحات شاشة الموبايل، أقربهم يتنخم ويبصق فى الشارع فتتحاشى فتاة قذيفته، اختنقتُ فنهضتُ من فوري، هفوت لرؤية العجوز المتكوّرة على فلق النخلة البعيد، جوارها قفتها وبها القليل من الرمال، نطّ وجه الخالة مرزوقة فى ذاكرتي، تشعر بخطواتى فترفع وجهها، أسفت لملامحها المشلولة بالعوز والحاجة، ضممت يدى بما فيه القسمة لكنها أشاحت بكفها رافضة، عدتُ أتأمل رمالها التى تقاسى الحرمان من الودع، تركتها وسرت إلى نهاية الشارع، تلفت فلم أرها، ذهبتُ إلى بيتنا القديم، أسفت لانقطاعى عنه كل السنين المنقضية، فى المنظرة البحرية استرحت على الدكة الطويلة، الهواء صيف شتاء ينساب من شبابيكها الكبيرة، ولا تزال بلا مروحة سقف فقد كان أبى يكرهها ويصفها أنها تجلب أوجاع الصدر، لم أرد أن أبقى فأتسامع شكوى الجدران من طول هجرها، أغلقت الباب وغادرت البيت، للحظة جفلت قدماى والتفتُ إلى الخلف، تراءى لى طيف جدتى ورفيقاتها والنخلات العجائز، تيار من هواء بارد يصفع وجهى فتسارعت خطواتى إلى حيث عربتى المركونة أول الشارع، ملتُ بها جانب الطريق المجاورة للنيل، أحملق فى مائه المتراجع، تارة أخرى زكمت أنفى رائحة مقلب القمامة بطرف الشونة الباقى غير المبنيّ، والعنزات تقتات الزبالة حول جمل بارك نحل وبرة وطلى صاحبه بقع الجرب بالقار، قاومت انقلاب جوفى ورغبة عارمة فى التقيؤ، غادرت وأنا أفرد ذراعى مشيحًا، جمحت رغبتى بوصية ابنى حين يشاء المولى بمجاورة صديقى بمدافن البلد القديمة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق