رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عبلة وكريستين.. قصة حب مصرية سويسرية

منال عبيد;

  • متحف الكاريكاتير هو الوحيد من نوعه فى الشرق الأوسط ومصر من أقدم دول العالم فى تقديم هذا الفن
  • الذكريات أغلى من «الفلوس»، وأعيد شراء لوحاتى ودفعت فى إحداها 300 ألف جنيه !
  • استغربت اختيارى فى لجنة الخمسين لوضع الدستور لكننى أشعر بالفخر
  • بعت أولى لوحاتى بــ 120 جنيها، والأخيرة بـ 400 ألف




هو فنان تشكيلى ورسام «كما يقول الكتاب» بمزاجيته وتقلباته وتناقضاته وحتى بشكله ومظهره العفوى .. حدد لى موعدا لزيارته بمرسمه الفريد فى قرية تونس بمحافظة الفيوم، وعندما وصلت فى موعدى فى الصباح الباكر ودخلت لتحيته فى مرسمه أجابنى باقتضاب »لا أتحدث قبل أن أشرب قهوتي«، تركته وذهبت لاستكشاف المكان شديد الروعة المطل على بحيرة قارون والذى يضم بيته ومرسمه وعلى الضفة الأخرى متحف الكاريكاتير ومركز الفيوم للفنون ومرسم آخر وعدد من ورش الرسم والنحت والفخار، كلها بنيت على طراز القباب بالطين والحجر وسط الأشجار والنخيل مما جعل المكان كله أشبه بلوحة استثنائية تليق بصاحبها.

بعد مرور وقت خمنت أنه كاف له لشرب القهوة و»تظبيط الدماغ« عدت لأبدأ حوارى معه ليفاجئنى للمرة الثانية قائلا »لن أجرى مقابلة صحفية، لقد دعوتك فقط لتشاهدى المكان وتكتبى انطباعاتك عنه« !! ..سحر المكان وخبرتى الصحفية وربما دراستى لعلم النفس كلها ساعدتنى على تفهم طبيعة مضيفى فلا أعود أدراجي، بعد مرور وقت آخر قصير جدا كان هو نفسه يحادثنى ويمازحنى ويجيب عن أسئلتى كاشفا مناطق لم يتحدث عنها من قبل.

إنه محمد عبلة واحد من أهم الفنانين التشكيليين فى مصر، ولد عام 1953 فى بلقاس بالمنصورة وحصل على بكالوريوس الفنون الجميلة من جامعة الإسكندرية ثم سافر إلى ألمانيا والنمسا لاستكمال دراسته العليا وكان بإمكانه قضاء بقية عمره فى أوروبا خاصة بعد زواجه كريستين السويسرية إلا أنهما فضلا العودة للحياة فى مصر التى تعددت إسهاماته فى تشكيل حاضرها ليس بفنه ولوحاته فقط ولكن حينما شارك فى كتابة دستورها بعد اختياره ضمن لجنة الخمسين.

إنه حقا مثلما لخصته «أنّا» السويسرية زوجة ابنه إبراهيم عندما طلبت منها أن تصف لى حماها الفنان المصرى الشهير فى كلمات فقالت «إنه شخص مثير جدا للاهتمام، يمتلك عدة مستويات وطبقات انسانية» .. تعالوا نحاول استكشاف بعض من مستوياته تلك فى الحوار التالى :

...................................

كان من الطبيعى بعد تلك البداية الغريبة للقاء أن يكون أول أسئلتى للفنان هو :

لماذا لا تحب اللقاءات الصحفية والإعلامية ؟

لأننى فنان وذو طبيعة متغيرة ومن ثم فإن آرائى تتغير بل إنها سريعة التغير، لذلك قد أدلى بآراء فى حوار ما وبعد فترة أتعرض لخبرات جديدة تدعونى لتغيير رأيى تماما فلا أحب أن أربط نفسى بما قلته سابقا ولا أن أضطر لتبريره، الحوارات قد تجدى مع الفلاسفة والحكماء لأن لهم فلسفة ثابتة أما أنا فليس لدى إجابة قاطعة عن أى شيء فى الحياة، ولا عندى ثوابت.

حديثك عن طبيعتك المتغيرة قد يتعارض مع استمرارية زواجك الذى يقترب من أربعين عاما .. كيف تفسر هذا ؟

زواجى كان قدرا إلهيا لم أخطط له، كنت قد أنهيت دراستى للفنون الجميلة فى مصر وجاءتنى منحة للسفر إلى ألمانيا لاستكمال الدراسات العليا وسافرت ولم أكن مشغولا وقتها سوى بفنى ودراستى ولا أفكر فى الزواج أصلا، لكننى قابلت كريستين فى رحلة بالقطار وكانت تقرأ كتابا عن «فان جوخ» ولفت نظرها أننى عربى لأننى كنت أقرأ صحيفة الأهرام، فتبادلنا الحديث عن اللغة وعن مصر وعن الفنون وقبل انتهاء الرحلة كنا قد تبادلنا وسائل الاتصال لكن لم يتسن لنا اللقاء مرة أخرى فى أوروبا لأننى كنت قد أوشكت أن أنهى دراستى والعودة إلى مصر، وبعد عودتى فاجأتنى كريستين بأنها ستأتى مع صديقتها لزيارة مصر وعندما أتيتا بالفعل قمت باصطحابهما فى جولات لمصر القديمة ثم سافرنا إلى الجنوب وبعد ذلك اصطحبتهما لزيارة أسرتى لتتعرفا على مدن وريف مصر، وفى نهاية الرحلة كانت قد نمت بيننا المشاعر وقررنا الارتباط فطلبت كريستين أن أسافر إلى بلدتها فى سويسرا للتعرف على أهلها ولنرى إمكانية العمل والدراسة هناك، وبالفعل سافرت إليها وأتممنا زيجتنا هناك وأنجبنا ابننا إبراهيم فقررنا معا العودة إلى مصر حتى ينشأ ويتربى فيها وكان ذلك برضا ودعم من كريستين.

سألت كريستين : لابد أنه كان حبا عظيما ذلك الذى دفعك للموافقة على ترك بلادك وأهلك وثقافتك للعيش فى مصر .. هل كان كذلك ؟

أجابتنى ببساطة صادقة دون أن تفكر ثانية واحدة : ومصر أيضا بلد عظيم .. أحببت مصر منذ أتيت لزيارتها مع صديقتي، صحيح أننى أحببت عبلة لرجولته وتحمله للمسئولية الذى كان واضحا لى من لفتاته البسيطة عندما كان يصطحبنى فى أنحاء مصر لكننى أيضا لم أكن أصدق أننى على الأرض التى كانت مهدا للإنسانية كلها فأنا متيمة بالحضارة المصرية، وأعجبتنى الحياة البسيطة التى يعيشها الفلاحون هنا وأعجبتنى حفاوة الناس ودفئهم وودهم وكان لأهل عبلة حين التقيتهم لأول مرة كسائحة دور كبير فى رغبتى للعودة للحياة فى مصر إذ سرعان ما أحببتهم وأحبونى وبعد زواجى كان لهم دور كبير فى مساعدتى فى تربية أبنائى هنا وتنشئتهم على الطباع المصرية ليصبحوا مصريين، ولا أذكر أننى ندمت مرة واحدة طوال سنوات زواجى على مجيئى لمصر واستقرارى بها رغم حبى لبلدى وزيارتى له دوريا، حتى ابنى إبراهيم ذهب لسويسرا لتلقى تعليمه وتزوج هناك سويسرية لكنهما عادا أيضا للعيش معنا هنا مع حفيدتيّ ريم ونور والغريب أن زوجته «أنا» هى من شجعته للعودة لمصر، وقد يفاجئك أننى لا أشعر أن هناك فجوة أو اختلافا كبيرا بين المصريين والأوروبيين بل أشعر أننا أهل منطقة واحدة بالمقارنة بالشعوب الآسيوية مثلا.

عدت لعبلة أسأله : ألم تقلقك فكرة الزواج بأجنبية ؟ وفيم تختلف المرأة الأوروبية عن المصريةوفقالتجربتك؟

لم يشغلنى هذا الأمر على الإطلاق فالمرأة هى المراة، وسواء كانت مصرية أم أوروبية ماذا تريد أكثر من رجل يفهمها ويحترمها؟ إذا أردت أن تحترمك زوجتك احترمها .. إذا أردت أن تهتم بك امرأتك اهتم بها .. إذا أردت أن تغير فيها أمرا غيره فى نفسك.

أما الاختلاف بين المصرية والأوروبية فأعتقد أن الأوروبية تتميز باستقلاليتها الحقيقية، أى أنها لا تشعر الرجل باعتماديتها عليه وفقط لإسعادها بل تستطيع دائما أن تشغل نفسها بأمور أخرى وهذا شيء مهم جدا للرجل عامة وللفنان بشكل خاص لأنه يشعره بحريته، أما المرأة المصرية فتتميز بحيويتها وتنوعها ومفاجآتها إذ إنها لا تسير فى «تراك» واحد أو خط واحد كالأوروبية مثلا.

ما هى فلسفتك عن الحب ؟

الحب فى رأيى هو توافق بين اثنين يجعلهما صالحين للاقتراب وانجاب أبناء، والمرأة هى الاحتواء والحنان،وبالعودة لاندهاشك من أستمرار زواجى كل هذه السنوات رغم طبيعتى المتغيرة أقول لك إننى باستثناء الفن أجدنى رجلا كلاسيكيا هادئا أميل للبيت والاستقرار والعائلة ولا يعنينى كثيرا صخب الحياة.

كيف توفق بين ميلك هذا للهدوء وبين صخب الشهرة التى أتتك كأحد رواد الفن التشكيلى فى مصر ؟

الشهرة تمثل لى ميزة واحدة لكننى أعترف أنها كبيرة وهى أنها تجعل صوتى مسموعا، فأنا كفنان أحب أن أعيش وسط الناس وانفعل بقضاياهم وأهتم باهتماماتهم وأعبر عنهم، صحيح أن ريشتى ولوحاتى هما أدواتى التى أعبر بها لكننى فى قضايا اجتماعية كثيرة أحتاج صوتا عاليا مسموعا ليصل إلى المسئولين، وبسبب الشهرة استطعت تبنى مواقف سياسية واجتماعية كثيرة أسهمت فى عودة حقوق للناس.

هل كان لتبنيك تلك القضايا دور فى اختيارك ضمن لجنة الخمسين لكتابة الدستور ؟

أنا شخصيا فوجئت واستغربت جدا لاختياري، وسبب استغرابى هو أننى قبلها مباشرة كنت قد رفعت قضية ضد أحد الوزراء فى الحكومة وكسبتها ! لكننى طبعا شعرت بالسعادة لاختيارى وبالفخر لكونى الفنان التشكيلى الوحيد الذى أسهم فى كتابة الدستور، لكن يظل هذا الأمر ثانويا لديّ لأن اهتمامى الأساسى هو الفن وكل ماعدا ذلك هو مثيرات لهذا الفن.

ما هى المثيرات الأخرى التى تستفز الفنان بداخلك وتدفعك للإمساك بريشتك ؟

الفن عملية معقدة جدا لا ضابط ولا رابط لها ولا قوانين، أنا أرسم طوال الوقت وأنا حزين ومسرور ومكتئب وسعيد وفى كل حالاتي، لم يحدث قط أننى انعزلت أو انقطعت عن الرسم،لكن بالتأكيد أمر أحيانا بأوقات أشعر فيها بأن طاقة الرسم أوشكت أن تنفد وأننى فى حاجة لإعادة شحنها، وخاصة مع مضى العمر وتراكم الخبرات والأحداث التى مع كثرتها تقل القدرة على »الاندهاش« والانبهار الذى أعتبره وقودى الحقيقي، وقتها أنطلق للبحث عن الدهشة فأذهب إلى مكان جديد وإذا لم يتح لى ذلك أبحث عن أشخاص جدد وهذا هو سبب سفرى الكثير سواء داخل مصر أو خارجها، ولذلك أيضا أحب مرسمى هنا فى قرية تونس لأننى أعشق الحياة بين أحضان الطبيعة وحولى هؤلاء الناس البسطاء من العمال والفلاحين وعندما تفرغ بطاريتى أذهب للتجوال فى أنحاء القرية أستلهم من بحيرتها ومائها وناسها عشرات الأفكار.

هناك مقولة شائعة أن «الرسم مبيأكلش عيش» .. هل تعتبرها صحيحة ؟

بالطبع لا .. غير صحيحة على الإطلاق، الفنان الموهوب هو عملة نادرة على مستوى العالم كله وأنا شخصيا لم أعمل إلا بالفن ولم أتعيّش إلا منه ولم يكن لأحد فضل عليّ سواه، وأذكر أننى حين تخرجى لم يكن معى جنيه واحد وأول لوحة قمت ببيعها فى أول معرض أقمته اشتراها أرجنتينى ب 120 جنيها وكان ذلك مبلغا كبيرا فى أواخر السبعينيات، وآخر لوحة بيعت لى تجاوز سعرها 400 ألف جنيه تم بيعها فى ألمانيا .. أما من يدعون أن الفن مبيأكلش عيش فهم إما غير موهوبين أو أنهم لا يعطون فنهم حقه من تعلم وتدرب ووقت وجهد فالرسم حرفة مثل أى حرفة تحتاج إلى عمل واجتهاد وتجريب لكن بعض الشباب يستسهلون فيرسم الواحد منهم لوحة فى دقائق معدودة وينقطع عن رسمه أياما وأسابيع ثم يشكو حين لا يجد من يشترى لوحاته، لو كان الرسم مبيأكلش عيش لم تكن كليات الفنون الجميلة أصبحت من كليات القمة.

هل لديك لوحة مفضلة من رسوماتك ؟ أم أنك تعتبرها جميعا أبناءك ؟

فى أحيان كثيرة أرسم ثم أقوم بتمزيق ما رسمت لعدم رضائى عنه ولا أصدق أن هناك فنانا عبقريا واحدا يقول إنه راض عن كل ما يبدعه، وحتى عندما تعجبنى إحدى لوحاتى لا يدوم إعجابى بها أكثر من يوم أعود بعده للبحث عن جديد، لكننى فى العموم أشعر بالحنين لكل لوحاتى وأعدها ذكرياتى لذلك عمدت مؤخرا للبحث عن لوحاتى التى بيعت وأحاول استعادتها بشرائها من مالكها مرة أخرى مهما يكن الثمن، حتى إننى دفعت فى إحداها 300 ألف جنيه بلا تردد لأن ذكرياتى أغلى من الفلوس! وكل لوحة هى جزء منى ووقت بيعها كنت فى حاجة للمال أما الآن فلم أعد بحاجة إليه

أستشعر من حديثك أن المال والثراء لا يعنيانك كثيرا .. هل أنا على حق ؟

تماما .. فقد نشأت فى أسرة متوسطة كان أبى يعمل فى تجارة القطن فشعرنا ببحبوحة العيش ثم أمم عبد الناصر تلك التجارة فعشنا فى ضيق مادى كبير، ثم تنقل أبى بعدها بين عدة أعمال تجارية أسهمت فى تيسير حياتنا إلى حد ما .. تلك النشأة و»النقلات« بين يسر العيش وشظفه ربما هى ما جعلتنى أستطيع التكيف مع الثراء وعدمه وجعلتنى لا أعطى للمال أكثر من حجمه وكلما توافرت لى أموال وضعتها فى خدمة الفن والثقافة.

لماذا فى رأيك ارتبط الفن التشكيلى بأسماء رجال أكثر مما ارتبط بنساء رغم أنها مهنة تليق أكثر بطبيعة المرأة ؟

هناك نساء مبدعات جدا فى الفن التشكيلى وبالفعل كن أكثر إبداعا من الرجل لكن للأسف المرأة فى العادة لا تتفرغ لفنها، وكما أخبرتك أن هذا الفن يحتاج إلى تفرغ كامل لا يقدر عليه إلا الرجل لأن عمله هو الأولوية الأولى فى حياته ثم يأتى الحب والارتباط فى المكانة الثانية عكس المرأة التى ما إن تجد الرجل الذى تحب حتى تتخلى طواعية من أجله عن كل اهتماماتها وشغفها وبذلك خسرنا عشرات من المبدعات فى الفن التشكيلي.

لا أستطيع مغادرة هذا المكان الفريد الذى بنيت كل ركن فيه بنفسك دون أن أسألك عن سبب إقامة «مركز الفيوم للفنون» و«متحف الكاريكاتير» اللذين كلفاك كثيرا رغم أنهما غير هادفين للربح ؟

بدأت أولا بتأسيس مركز الفنون فى البيت نفسه الذى كنت قد شيدته لسكنى بعد أن شيدت بيتا آخر على الضفة المقابلة انتقلت للإقامة به، وكان هدفى من إقامته هو أن يصبح منارة ومدرسة للفنون لأهالى القرية وليجتمع فيه طلاب يأتون من مصر ومن خارجها ليتعلموا الفنون المختلفة ويتبادلوا الثقافات التى أدركت أهميتها حين عشت سنوات فى أوروبا، وأستقدم للمركز أساتذة فنون من مصر ومن جميع أنحاء العالم يدرسون للشباب معى وفى الوقت نفسه أتعلم منهم ومن تجاربهم ومن جرأتهم على التغيير والابتكار، وبعد نجاح التجربة بسنوات جاءت فكرة متحف الكاريكاتير من اهتمامى بهذا الفن الرائع الذى يعد توثيقا للحياة المصرية السياسية والاجتماعية خاصة عندما تعرفين أن مصر تعد من أقدم دول العالم التى قدمت هذا الفن لذلك أعتبر فن الكاريكاتير فنا مصريا أصيلا، وظللت أجمع الرسومات الأصلية على مدى عشرين عاما وحين قررت إقامة المتحف ساعدنى أصدقائى الفنانون والأدباء بإمدادى بما يملكونه من رسومات كاريكاتير وساعدتنى أسر فنانى الكاريكاتير الراحلين بكل ما لديهم من صور أيضا حتى أصبح لديّ ما يزيد على 500 رسم أصلى يعود بعضها للعام ثلاثين من القرن الماضى فافتتحت المتحف الذى يعد الوحيد من نوعه فى مصر والشرق الأوسط وأعتبره هدية لأرواح فنانى مصر العظماء أمثال صاروخان وصلاح جاهين وغيرهما.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق