رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سيمفونية حب

محمد رياض العشيري

«أمى الحبيبة»

لا أعتقد أن هناك أى إنسان آخر على الأرض يستحق الكتابة إليه أكثر منك، وأنا هنا. وقد تكون هذه رسالتى هذه الأخيرة لك.

فأنا أكتب من فراشى فى مستشفي. وسمعت الأطباء يتهامسون حولى عن حالتى ويصفونها فى صوت خافت أنها خطيرة. لكن شيء واحد يهيمن على روحي، فها أناذا قريب من الوفاء بوعدى لك بالعودة ورؤيتك بعد ذلك غياب طويل.

هل تعلمين كم سنة مرت منذ أن أجبرت على تركك؟ خمسة وثلاثون عاما. كنت أعدّ كل يوم وكل ليلة، بل كنت أعد كل دقيقة.

ما زلت أتذكر ذلك اليوم جيدا. ...

توارت الشمس قبل الأوان، وأظلمت السماء فأصبحت داكنة، قبل غروب الشمس بدقائق قليلة. كان معظم الناس فى المنازل. وفجأة هبت عاصفة من الشرق ملأت السماء بغبار كئيب معمي. وسمعنا خطى صاخبة. وعندما انقشع الغبار رأينا مئات الأشخاص فى ملابس سوداء، وجوههم ملثمة بالسواد، يهاجمون القرية.

يبدو أنهم على الأرجح غرباء جاءوا من أصقاع بعيدة.

فى الصباح، وبعد أن سكن الغبار وهدأ، وجدت نفسى أسير وحدى بلا هدف مثل اليتيم على طول الطريق السريع، وليس معى أى شيء سوى حقيبة صغيرة بها مفتاح منزلنا، ومفتاح والدي، ووثائق سفري.

طردنا الغرباء من منازلنا، وقالوا إن لديهم أوامر من الحكومة بهدم المنازل فورا فى تلك المنطقة استعدادا لبناء مشروع جديد. حتى شجرة الزيتون، التى نشأت تحت أغصانها وفى حضن جذعها، ولعبت فى ظلها، اقتلعوها وقُتلوها، وقطعوا أطرافها واحدا تلو الآخر.

فى ذلك اليوم المشؤوم، واصلت السير على غير هدي، ولكن بخطوات حثيثة قبل أن تحل العتمة، حتى وصلت إلى قرية مجاورة، وهناك توقفت. لكننى لم أشعر بيأس، مثل بعض الناس منا.

وأنا يا أمي، وكما علمتنا فى طفولتنا، لا تهزمنى مشكلة أو كارثة، لأنى دائما فى تلك الحال أفكر فى الحلول.

كنت مصمما على العودة إليك، مسلحا بسلاح أقوى من سلاح الغرباء.

ما زلت أتذكر كلماتك التى كنت ترددينها بصوتك الحاني، وتلمع حروفها كالبرق أمام ناظري: «الحب، يا بني، أقوى من الحرب». ودفعتنى تلك الكلمات إلى دراسة الموسيقي. وعكفت على التدريب والممارسة كل يوم حتى ذاعت سمعتى وأصبح اسمى معروفا وصرت عازفا مشهورا. أحمل عودى وأتجول هنا وهناك، وأعزف بالحب وأغنى للحب. لكن الغرباء أغلقوا أمامى جميع أبواب العودة، لكنى - يا حبيبتى - لم أنسك لحظة واحدة.

فى الشهر الماضى فوجئت عندما تلقيت دعوة من منظمة خيرية لإحياء حفل موسيقى فى قريتنا. أتصدقين؟ فى قريتنا .. وافق الغرباء على قدومى لأنهم اعتقدوا أن الحفلة الموسيقية ستروج صورتهم بوصفهم محبين للسلام. وسمحوا لى بالزيارة يا أمي، لكن لمدة يومين فقط. المهم أننى سأعود .. المهم أننى سأراك .. وأرمى همومى إلى صدرك يا أمي.

رقصت طوال النهار فى ذلك اليوم، وكنت سعيدا جدا لأننى سأعود إليك. سأرى المكان الذى وقفت، أنا وشجرة الزيتون، نتهامس. سأحدثها وأخبرها بما حدث لي، وسأسمع منها حكايات ألمها الذى اعتصرها عندما قطعوا أطرافها.

لقد أعددت نفسى جيدا، وتدربت ليلا ونهارا على العزف على سيمفونيتى الجديدة ”سيمفونية حب» التى ستسمعينها.

وجاء اليوم الموعود.

ركبت الطائرة ، لكن خفقان قلبى كان أسرع وسبق الطائرة، وعند قدميك حط الرحال. هناك تركت حقائبى فى الفندق وخرجت مهرولا على عجل.

كانت بلاطات الشوارع كثيرة بلا داع ومملة. وبدت الأشجار على جانبى الطريق حزينة، ورأيت أغصانها منحنية، وكأنها تقف مطاطئة أطرافها فى جنازة.

فى نهاية الشارع سمعت صراخا، ورأيت مئات المتظاهرين يسيرون فى مظاهرة كبيرة للمطالبة بالحرية والعدالة وحق العودة لذويهم الذين طردهم الغرباء.

على الجانب الآخر من الشارع كان هناك عدد كبير من رجال الشرطة يواجهون المتظاهرين.

وعندما اقترب المتظاهرون منهم رفع رجال الشرطة أسلحتهم وبدأوا فى إطلاق النار.

لا أتذكر ما حدث، لكننى أعلم أنى مازلت فى المستشفي، حيث أرقد، بين الحياة والموت، بعد أن أصابتنى رصاصة رغبت فى مستقر لها بالقرب سويداء قلبي.

لكنني، يا أمي، قريب منك .. ومن بيتنا .. ومن شجرتى .. شجرة زيتوني.

غفوت قبل ساعة ورأيتنى فى غفوتى القصيرة وقد طرت فوق أجواء المستشفى .. ورأيت نفسى بالقرب من شجرة الزيتون. وعندما وقفت بجانبها .. أصبحت أنا نفسى شجرة زيتون.

أمى الحبيبة،

أشعر أننى وفيت بوعدي.

أعطيت ابنى نوتة ”سيمفونية حب“ التى كنت سأعزفها فى قريتنا.

يجب أن تعزف ”سيمفونية حب“ فى الموعد المحدد لها.

ابنك المحب: فجر“

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق