رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

منمنمات ثقافية
بين «ثقافة العزلة» وأطروحة «معا نحيا»

رغم أن عبارة «فى التباعد حياة» باتت شعار البشرية بكل اللغات الحية فى زمن الكورونا ، إلا أن حالة العزلة التى اضطرتنا ظروف الجائحة لقبولها تاركة بصمتها على نفوسنا وعلاقاتنا الاجتماعية وأنماطنا السلوكية، دفعت البعض لمحاولة تجاوز عبء اللحظة والبحث عما يجعل حياة البشر أفضل رغم صعوبة ما يواجهون.

وإذا كانت العزلة قد أدت لانتشار ظواهر غريبة من قبيل جنون «التيك توك» والصور المقززة التى يصدرها البعض، ليبدو وكأن تغييب العقل ونشر التفاهة و محاولة الكسب بأى طريقة الحل الوحيد للبقاء على قيد الحياة، فإن نفس الحالة دفعت بعض المفكرين للبحث عن أسباب أخرى للوجود وعما يثرى نفس الإنسان. من بين هؤلاء الكاتب الأمريكى «هريشيكيش جوشى» أستاذ الفلسفة فى جامعة بولينج جرين ستيت، ومؤلف كتاب «لماذا يجب البوح بما يدور  فى عقلك» الذى صدر مؤخرا.

فى البداية يوضح الكاتب أن فكرة الازدهار البشرى شغلت الفلاسفة على مر العصور  وإنها تمثل  هدفًا شخصيًا وسياسيًا ــ فنحن نريد لأنفسنا ولأحبائنا أن يزدهروا، ونريد أيضًا إنشاء مؤسسات تعزز الازدهار البشرى بش كل أفضل. ويدعم الكاتب فرضيته من خلال أعمال عدد من الفلاسفة وأطروحة أرسطو بأن العقل هو السمة المميزة  للبشر التى تفرقهم عن باقى الأشياء والكائنات، وبالتالى يقول إن تحقق الإنسان وتطوره السليم يتطلب توظيفه لقدراته العقلية على مدار حياته بشكل معقول، من خلال إعمال ملكة التفكير والتفاعل الاجتماعى والبوح بما يدور فى العقل . 

 الغريب أنه على الرغم من ظهور طرق جديدة متعددة للتواصل فى عالمنا الرقمى الآن، إلا أن الدراسات الاستقصائية كشفت أن نسبة لا يُستهان  بها من الناس حتى فى بلاد العم سام تتردد فى إبداء الرأى والتعبير عما يدور فى خاطرها وما قد يُعتبر مختلفا عن الآراء الشعبية السائدة، ولو تعلق الأمر بالنميمة على النجوم ، خشية «ثقافة الإلغاء» و الخوف من العزلة والنبذ الاجتماعى أو مجرد اعتبارهم أشخاصا غير طبيعيين!! ، وتشير بعض التقديرات إلى تضاعف عدد هؤلاء الأشخاص ثلاث مرات فى الولايات المتحدة  منذ ذروة عصر «المكارثية» والتخوف من تسلل الشيوعية إلي  المجتمع الأمريكي فى خمسينيات القرن الماضى. ورغم أن حرية التعبير يكفلها القانون الأمريكى إلا أن بعض الدراسات كشفت أن الأفراد الأعلى مستوى تعليميا أكثر عرضة للانخراط فى الرقابة الذاتية وإبداء التوافق الفكرى تحسبا للضغوط الاجتماعية!! 

ولأن التحدث بأفكارنا أمر مهمً لتطوير أنفسنا كمخلوقات عقلانية ويعد جانبًا مهمًا من جوانب الحياة الجيدة ، يؤصل «جوشي»  لفكرة  الخطاب الصريح المفتوح باعتبارها أمرا بالغ الأهمية للازدهار كأفراد وكمجتمع،إذا تعمل التحديات التى تواجهها آراؤنا على تحسين فهمنا، فيقول إن مانعرفه أو ما يدور فى أذهاننا لا ينفصل عما تعرفه وتمارسه مجتمعاتنا، وبالتالى فإننا عندما نتواصل ونعبر عما يدور فى عقولنا نعزز قدرتنا الجماعية للوصول إلى الحقيقة . 

ويفند الكاتب فكرة  صورة المفكر الانفرادى المنخرط فى التأمل فى وحدته، مشيرا إلى أن الدراسات المعرفية الحديثة تقوض هذه الصورة وتستبدلها بصورة المثقف التفاعلى، التى تستند على فرضية أن قدرتنا على التفكير هى فى الأساس اجتماعية ، فالعقل بطبيعته حوار نستخدمه عندما نشارك أسبابنا مع الآخرين ونقيم أسبابهم بدورهم ، وهذا ينطبق علي  المفكرين والبشر عموما.  

والكتاب الذى يعتمد على رؤى  أرسطو، وجون ستيوارت ميل، وفريدريك نيتشه، وبرتراند راسل، ومجموعة من المفكرين المعاصرين لا يُعلى فقط قيمة التفكير المجتمعى والتقارب بين البشر فكريا ، بل أيضا يعتبره واجبا أخلاقيا ومسئولية اجتماعية هدفها بلورة الأفكار وتنمية التفكير النقدى. فالاستمرار في  العزلة العقلية  مع الاستغراق فى تفاهات «التيك توك» وخلافة أشبه باعتقال العقل فى محبس انفرادى وانتشار مناطق ثقافية مظلمة تُهدر عقول أجيال كاملة.. فهل حان الوقت لنعيش تجربة شعارها» معا نحيا وسويا تزدهر عقولنا»..؟! 


لمزيد من مقالات ســناء صليحــة

رابط دائم: