رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

30 يونيو.. مصر تتحدث عن نفسها

د. محمد عفيفي

قبيل 30 يونيو بأيامٍ قليلة كنت على موعد مع صديق فرنسى، هو زميل أستاذ لتاريخ الشرق الأوسط ومتخصص فى تاريخ سوريا المعاصر، كان يشغل منصب الملحق الثقافى فى السفارة الفرنسية فى دمشق، وعندما اندلعت الأحداث فى سوريا تم إلحاقه بالمكتب الثقافى فى القاهرة. كانت الأحداث تتصاعد بشكل مثير فى القاهرة: ظهور حركة تمرد، اعتصام وزارة الثقافة، الدعوة إلى النزول فى الشارع فى 30 يونيو من أجل انتخاباتٍ رئاسية مبكرة. وعلى الجانب الآخر دعوات من جانب الإخوان للنزول والاعتصام فى الميادين، فى محاولةٍ لإظهار الأمر للعالم أن المسألة فى مصر شارع أمام شارع!

سألنى صديقى المؤرخ الفرنسى: هل سينزل أنصار التيار المدنى بكثافة إلى الشارع فى 30 يونيو؟ كان ردى أن النزول هذه المرة سيكون غير مسبوق فى التاريخ المصرى، وربما سيفوق مشهد 25 يناير. سألني: لماذا؟ أجبت: إذا نزل حزب «الكنبة» هذه المرة، لقد أثارت سياسات الإخوان والسلفيين مخاوف هؤلاء الناس على مستقبل أيامهم، وعلى حياتهم اليومية الهادئة.

ذهبت عينا صديقى بعيدًا ثم عادت، ووجدته يسألنى من جديد: وما موقف الجيش؟ أجبت: سينحاز الجيش إلى الشارع. بادرنى بالسؤال: أى شارع؟ أجبت سريعًا: شارع الأغلبية. حملق فى الفراغ، وبنبرةٍ بها بعض التخوف قال لي: ولكن ربما يؤدى ذلك إلى انقسام فى داخل الجيش، يُقال أن هناك خلايا إخوانية فى الجيش. قفزَت على وجهى ابتسامة عريضة وقلت له: لا تجعل تجربتك فى تاريخ سوريا تؤثر على قراءتك للتاريخ المصرى، تاريخ سوريا متخم بالانقلابات العسكرية منذ انقلاب حسنى الزعيم فى عام 1949، والانقسامات هناك واردة، ولكن الجيش المصرى جيش مهنى محترف، ولا مكان فيه للعصبيات أو العرقيات. وببراءةٍ شديدة سألني: هل سينحاز الجيش ضد الرئيس والإخوان؟ قلت: سينحاز إلى الشعب، أو دعنا نقول أغلبية الشعب. صمت كثيرًا وكأنه يراجع كل تاريخ العالم، ثم عاود السؤال: ولكن الغرب ــ أوروبا وأمريكا ــ لن يقبل تدخل الجيش ونزوله إلى الشارع، أنت لا تعلم المعايير الغربية فى الحكم على الأشياء، سينظر إلى الأمر على أنه انقلاب. كان ردى: الجيش سينحاز إلى الأغلبية كما فعل فى 25 يناير. بادرنى سريعًا: وهل الأغلبية مع التيار المدني؟ دون تردد أجبت: أعتقد ذلك.

وجاء اليوم المشهود 30 يونيو 2013، نزلت إلى ميدان التحرير مع بعض الأصدقاء، كان دخولنا إلى الميدان عن طريق كوبرى الجلاء ثم كوبرى قصر النيل. كم كانت فرحتنا بامتلاء الميدان بالناس، حتى إننا لم نستطع دخول حرم الميدان من شِدة الزحام، واضطررنا إلى التوقف عند مدخل جامعة الدول العربية.

كان الجو شديد الحرارة، إنه نهاية يونيو، جلسنا على الأرض نشرب ما تبقى لدينا من مياه. وفجأة رَّن الموبايل، إنه صديقى الفرنسى الذى بادرنى بالسؤال: محمد إنت فى الميدان؟ أجبته: نعم، ألا تسمع زئير الناس؟! رد عليَّ: بلى. وسألني: فى أى مكان فى الميدان؟ أجبته: عند جامعة الدول العربية، لم أستطع دخول الميدان من شِدة الزحام. أجابنى على الفور: أنا الآخر فى الشارع، أقف على ناصية شارع قصر العينى، لم أستطع الدخول، هناك جماهير غفيرة. ووجدتنى اندفع فى السؤال: ما رأيك، ما تحليلك الآن؟ بتلقائيةٍ شديدة قال: خلاص الناس حسمت الأمر وقالت كلمتها، مبروك يا صديقى.

اللقطة الثانية لم تكن فى مصر وإنما فى لبنان الحبيب فك الله كربه؛ كنت فى مؤتمر علمى فى عام 2014، وكان البرنامج الترفيهى للمشاركين يتضمن جولة بين رحاب آثار بلدة جبيل التاريخية، وكم كانت فرحتى بوجود آثار فرعونية هناك، نتيجة الصلات التجارية القديمة بين لبنان ومصر. وعند النزول من المنطقة الأثرية إلى البلدة سألنى صديقى المغربى، وهو أستاذ تاريخ مرموق، أن اصطحبه إلى أحد المحلات لأنه يريد شراء حجر بطارية لساعته، لكن لكنته المغربية لاتساعده كثيرًا على التواصل مع اللبنانيين. ودخلت معه إلى المحل وتحدثت مع البائع، الذى سرعان ما أخذ الساعة وبحث لها عن حجر البطارية المناسب، وعادت الساعة إلى العمل. المثير فى الأمر أنى عندما سألته عن سعر حجر البطارية، ضحك ضحكة عالية، وأُقسِم بالله أنه قال لي: ببلاش عشان خاطر عيون مصر. تصورت أنه كلام مجاملة من أجل أن يرفع السعر، وعاودت السؤال: لأ بجد... بكام؟ أقسَم البائع: ببلاش علشان خاطر عيون مصر، أنتم فى 30 يونيو مش بس أنقذتم مصر من الإخوان، إنتم أنقذتونا فى لبنان من حزب الله، وأنقذتم المنطقة كلها. أُقسِم بالله عجزت عن الرد، وربما ابتسامة عينى هى التى قامت بالمهمة. غادرنا المحل وصديقى المغربى الذى فهم الحوار يقول لي: ساصطحبك معى فى كل المشاوير فى لبنان، عظيمة يا مصر.

30 يونيو، إنه يوم تاريخى بامتياز، عندما أتذكره الآن أستدعى صوت أم كلثوم، كوكب الشرق، وهى تشدو برائعة الشاعر الكبير حافظ إبراهيم: مصر تتحدث عن نفسها:

وقف الخلق ينظرون جميعًا

كيف أبنى قواعد المجد وحدى

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق