رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المثقفون كانوا طليعة الثورة

عز الدين نجيب;

تمثلت 30 يونيو 2013 «ثورة على الثورة»، وإذا كان مثل هذا الحدث تقوم به عادة نخبة الساسة الثوريين بعد أن يبادروا بتوحيد صفوفهم لانقاذ ثورة شعبية من نفسها، حين تنحرف عن أهدافها وتتحول إلى عكس ما قامت من أجله، فإن ثورة 30 يونيو تمثل استثناء نادرا فى التاريخ، كونها ثورة شعبية خالصة قامت بعد عامين اثنين من ثورة 2011 الشعبية أيضا، حين استولى عليها تنظيم رجعى وانحرف بأهدافها فى اتجاه مشروعه المعادى للإرادة الوطنية، لكن الوعى الذى تحقق لدى الجماهير التى تعد بعشرات الملايين لم يأت تلقائيا، كرد فعل غاضب على انفراد حزب «الإخوان» بالسلطة ضد إرادة الشعب، بل كان للمثقفين فى الحقيقة دور القيادة وغرس الوعى، وكشف أبعاد المخطط الذى يراد أن تنجرف إليه مصر فى ظل القوى المناهضة للثورة والتقدم والنهضة، داخليا وخارجيا.

لا أحد ينسى دور حركة «تمرد» الشبابية بقيادة المثقفين فى تقدمها الصفوف بمبادرة تاريخية جمعت ملايين التوقيعات ووحدت الإرادة الوطنية، لإزاحة النظام الإخوانى، رغم أنه جاء بأصوات الناخبين. لكن قيادات الرأى العام من الكُتاب والفنانين والشباب والسياسيين التنويريين وبعض القيادات الحزبية المؤمنة بالتغيير، استطاعوا مجتمعين كشف أبعاد ذلك المخطط أمام الجماهير، بأن أوضحوا لهم كيف نجح الإخوان فى اختطاف الثورة الأولى لتحقيق غايتهم المرسومة سلفا فى الظلام، وكيف قاموا بخديعتهم التاريخية الكبرى للشعب بإقناعه بأنهم جند الله القادرون على تحقيق آماله فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وهى المطالب الأساسية لثورة 25 يناير.

ولا أحد ينسى كذلك وقفة المثقفين التاريخية بالاعتصام بمقر وزير الثقافة طوال شهر كامل، مطالبين برحيله كمنفذ لسياسة الإخوان، بل ورحيل النظام الإخوانى برمته. لقد كان هذا الاعتصام هو المنصة التى انطلقت منها الشرارة الأولى للثورة الجديدة، وكانت مبادرة المثقفين ــ سواء من خلال الاعتصام أو من خلال حركة تمرد ــ نموذجا مدهشا للمقاومة السلمية الواعية وللديمقراطية المتحضرة، باستخدام أساليب الاعتصام الصامت حينا، والتظاهر الخطابى حينا آخر، والمقالة والأغنية والقصيدة واللوحات على الجدران أحيانا ثالثة، وجميعها تقوم بتجييش الرأى العام دون غوغائية أو عنف، وكان للفن دور بارز، من خلال مهرجان «الفن ميدان» وجداريات الجرافيتى وغير ذلك، وكان كل هذا بمثابة القاطرة التى شدت فصائل الشعب وقواه الوطنية المؤمنة بالتغيير بالملايين، حتى أصبح من المستحيل رؤية أى شبر فارغ من الأرض تحت أقدامهم فى كل مكان على أرض مصر، وصنعوا زئيرا يرج أعتى الصروح وهم يهتفون: الشعب يريد إسقاط النظام!

هكذا أراد الشعب وكان له ما أراد، وجاءت اللحظة الحاسمة لوضع الدستور فى 2014، فكان للمثقفين بكل فصائلهم وأطيافهم ومجالاتهم دور القيادة فى وضعه من خلال لجنة الخمسين. لقد كان ذلك استحقاقا عادلا يتكافأ مع دورهم المشهود فى قيام الثورة، ولأن المثقفين هم ضمير أى أمة وعقلها المضىء إضافة إلى قدرتهم على الحلم الإنسانى، فقد اجتهدت اللجنة فى استلهام أحلامهم نيابة عن الشعب لبلورة مطالب ثورته، التى عبرت عنها مقالات الكتاب والمثقفين ولجانهم الثورية، وقامت بترجمتها إلى نصوص ومواد لهذا الدستور. وأذكر من هذه المبادرات الأهلية «لجنة الدستور الثقافى» على سبيل المثال، حيث تشكلت بمبادرة ذاتية من أربعة مبدعين هم: الشاعر رفعت سلام «رحمه الله»، والروائى حمدى الجزار، والمخرج المسرحى أحمد إسماعيل، وكاتب هذه السطور، وعلى مدى أكثر من شهرين عكفنا على الدراسة والصياغة حتى وصلنا إلى صيغة تم طبعها فى كتيب وطرحُها للنقاش وسط تجمعات عامة للمثقفين، مثل نقابة الصحفيين وأتيليه القاهرة وغيرهما، وأصبح فى مصر بذلك - لأول مرة - وثيقة أهلية لدستور ثقافى متكامل الأركان والفصول، تفصل فى مواد دستورية محددة حازت توافقا عاما، ونقلناه إلى لجنة الخمسين لصياغة الدستور بمجلس الشعب، ودعينا لمناقشته فى جلسة علنية بالمجلس مع عدد من ممثلى النقابات المهنية والفنية.

وإذا كانت لجنة الخمسين قد تجاوبت مع بعض ما وضعناه فى المقدمة الفكرية لدستورنا الثقافى، عند وضع الديباجة العامة للدستور، خاصة فيما يتعلق بمعنى الثقافة.

والمركب الحضارى لمصر بنسيجها الاجتماعى ومراحلها التاريخية، بما يؤكد معنى الهوية المصرية وروافدها الحضارية المتنوعة، فقد سعدنا بأن تضمنت الصياغة النهائية ثلاث مواد من الفصل الثالث بالدستور «فصل المقومات الثقافية» تتطابق تقريبا مع ما قدمناه فى دستورنا الثقافى، وهى المواد 47، 48، 50، التى تنص على أن الثقافة حق لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوصيله إليه حتى أقصى المناطق النائية، وأن تراث مصر المادى والمعنوى ثروة قومية تلتزم الدولة بالحفاظ عليها وصيانتها، وكذا الرصيد الأدبى والفنى، والتزام الدولة بالنهوض بالفنون والآداب، ورعاية المبدعين وحرية إبداعهم وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك ولم يغضبنا عدم الإشارة إلى دستورنا الثقافى بعد ذلك من أى جهة لكوننا حققنا هدفنا الوطنى، خاصة أن الدستور الذى وضعناه أصبح وثيقة تاريخية متاحة ولا يمكن إنكارها.

ولأنه ليس بالنوايا الطيبة وحدها تتحقق الأمنيات، فقد انفتحت شهية المثقفين خلال الشهور والسنوات التالية لوضع مشروعات تكفل تحقيق ما التزم به الدستور، وذلك من خلال دراسات وندوات ومؤتمرات وكتب ومقالات، راحت تطالب الحكومات المتتالية بعد الثورة بوضع إستراتيجية شاملة للنهضة الثقافية، وصدر لى - على سبيل المثال - كتاب بعنوان «الثقافة والثورة» من الهيئة العامة للكتاب عام 2014، وناديت من خلاله بأن يكون حجر الأساس للإستراتيجية الثقافية المنشودة هو بناء الإنسان، بدءا من القاعدة الشعبية فى عموم البلاد، بتوفير الثقافة لها كأولوية حيوية تلتزم بها الدولة، تساوى الغذاء والدواء والسكن والتعليم والإعلام، عبر إعادة هيكلة للمؤسسات ذات الصلة، من تعليمية وإعلامية وشبابية ودينية، وتغيير مناهجها لتقوم بدورها فى بناء الإنسان، كتبت وكتبت، وكتب كثيرون غيرى، وأقيمت مؤتمرات وطرحت مبادرات ومشروعات ثقافية بلا حصر، لكن حكوماتنا المتتالية - بكل آسف - لم نلتفت أو تهتم، وربما حاول بعض وزراء الثقافة - مثل دكتور جابر عصفور - وضع هذه الإستراتيجية الغابة، لكنها لم تُفعَّل، ولم يتغير شيء جوهرى فى الثقافة على مستوى ثورة 30 يونيو ويتوازى مع إستراتيجيات البنية التحتية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة التى تمس كل مواطن على أرض مصر، بل نرى عشرات المدن الجديدة، والمجتمعات العمرانية تُبنى فى كل مكان لكنها منزوعة الثقافة ومفتقرة لأساسيات بناء الإنسان، ومازلنا مستمرين «على قديمه!» معتبرين الثقافة نوعا من الكماليات أو الزينة وليست من الضرورات، وعدنا إلى العمل «بالقطعة» فى جزر منعزلة لا يتلاقى أفرادها حول مشروع قومى شامل عنوانه «بناء الإنسان». فماذا كانت النتيجة؟ كانت أن المثقف - صاحب الطلقة الأولى فى ثورة 2013 - عاد إلى الهامش الاجتماعى وإلى معتزله الحِرفى، واضطر غالبا إلى الانسحاب من الميدان بعيدا عن الاهتمام بالشأن العام، منكفئا فقط على شأنه الخاص، ممتلئا بالإحباط واللامبالاة، حيث لم يتلق دعوة للمشاركة فى وضع مخطط قومى للحاضر أو للمستقبل، وتملكه يقين بأنه غير مرحب به وبألا أحد فى حاجة إليه.. لا من القمة.. ولا من القاعدة!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق