رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الواد زرافة الحنجور!!

د. محمد حسن عبدالله;

ــ 1 ــ

«الواد زرافة الحنجور» هكذا تلقينا اسمه، وتداولناه، نحن صبيان القرية المنبسطة كبقعة صدأ تتوسط خضرة الغيطان، دون أن نسأل عن سبب هذه التسمية الفريدة فى قريتنا. كان يملك قامة رجل، غير أنه يتماوج ويترنح فى مشيته مثل زرافة، وفيما بعد قال لنا الشيخ درويش فقيه الكُتاب: إن الواد زرافة مثل زرافة الصحراء يرى إلى بعيد جداً. والمهم أننا لم نكن نستغرب وجوده بيننا، على فارق القامة،ولا نسأل أنفسنا كيف يعيش. كان يشدنا بغرابة تعبيراته التى تتخللها كلمات غير مفهومة وليس لها معنى. وحين ظهرت أول سيارة نقل فى ساحة القرية اشتراها الشيخ مرسال، من مخلفات الجيش الإنجليزى أواخر عشرينيات القرن الماضى، قفز زرافة الحنجور إلى صندوقها، فاعتبرت قفزته بمثابة «مباركة»، فلما رفض النزول «بالحسني» تُرك لشأنه، وعرفنا فيما بعد أنه شغل مكان «تباع» الشاحنة وحارسها!! وهكذا غاب عن مشاكستنا أسبوعاً متواصلاً، وحين أوشكنا أن ننساه ظهرت الشاحنة فجأة،وكان يعتلى صندوقها الفارغ، وما أن رأى جمعنا منهمكاً فى لعب كرة المضرب، حتى قفز منتصباً بقامته عند كوم الحجارة الذى نتخذه هدفا لإصابة الكرة. وكان هذا كافياً لأن نتوقف عن اللعب، ونتحلق حوله، ونفتش بالأسئلة فيما جرى له مدة غيابه.

ــ 2 ــ

قال «الواد زرافة الحنجور» بثقة لم نعهدها فيه: أنا شفت آخر مصر!!

فى نفس واحد هتفنا مستغربين: آخر مصر!!

بثقة غير معهودة، وكأننا أمام شخص آخر كرر: آخر مصر!!

سأل أحدنا، وأمن الباقى على سؤاله: شكله إيه آخر مصر؟

قال: مشينا بالعربية أياما وليالى، لغاية آخر مصر..

عرفنا.. آخر مصر شكله إيه؟.. شفت إيه؟

هناك آخر مصر اللهم صلِّ على النبى جدار حديد تخين وعال جدا.

قال أحدنا متحدياً: طب وإيه يعني؟.. ناس كتير من بلدنا شافوا الجدار ده.

قال بثقة: جايز بس ماشافوش اللى وراه..

قال آخر: ح يكون وراه إيه؟ غير بلد تانى.. وناس زينا..؟

هنا انفعل الواد زرافة، وغضب لكرامة ابتداعاته: لاء.. المسألة غير كده خالص. أنا شفت بعينى دى إيه اللى ورا الجدار الحديد.. ناس.. آ.. بس مش زينا!!

قلت: هو فيه ناس مش زينا؟

قال: طبعاً.. الناس اللى ورا الجدار الحديد طوال جداً، وسود فحم، وعرايا خالص، وليهم ديول، ولكل واحد سبع أنياب طالعة من حنكه لامسة مناخيره..

هتف أصغرنا: يامه!!

أكمل «الزرافة»: الناس دول مرصوصين صف، ونازلين لحس فى الجدار الحديد بلسانتهم الخشنة زى المبرد.

قلت متعجباً: يلحسوا الحديد بلسانهم ليه؟

دى شغلتهم.. مكنش ممكن أسألهم، لكن اللى عرفته إن عملية اللحس دى مش هتقف لغاية ما يبقى مفيش جدار حديد.. وشوف بقى..

وعاد أصغرنا يردد: يامه!!

سألته وقد اقشعر جلدى: وبعدين؟!

قال الواد زرافة، وكأنه يقرر حقيقة لا خلاف عليها، ولا يمكن توقيتها: لما يبردوا الجدار بلسانتهم ح يهجموا علينا... وياكلونا!!

قلنا فى نفس واحد كأنما اتفقنا: ياكلونا؟! هى فوضى، علشان لهم ذيول؟!

قال منهياً حكايته: علشان لهم أنياب ولسانتهم مبارد!!

ـــ 3 ــ

مضى زمن طويل أدركت آخره الذى أعاينه اليوم، وتهيم بداياته فى وادى النسيان، غير أن التماعات من كلام «الواد زرافة الحنجور» بدأت تبرق فى سواد الليل، وكأنها لهيب، وهى ليست أكثر من خرافات تروق لقائلها، وتزعج الصبية، فيعانون الكوابيس المنامية التى تظهر فيها الأنياب والذيول والألسنة المبارد.

ولأنهم يتشابهون فإنه يصعب أن تفصل رأى واحدهم عن «الجماعة»، فكلهم مثل كومة الرمال: متماسكة شكلاً، تعطل الحركة، ولكنها تتبدد مع هبات الريح، وتتبعثر مع ضربة فأس.

قال كبيرهم التعس: طظ فى مصر، ما هى إلا قطعة طين عفن. وهنا ظهر الناب الأول ملوثا بالدماء، ولكن الذيل اهتز نشواناً، فقدم الدليل على أن العفن اخترق جسد الجماعة، وظهر على ألسنتها المبارد. وقال أحمقهم ذو العمامة: لقد تم التمكين وانتهى الأمر، وتابعه أحمقهم ذو الخزانة: جئنا لنحكم 500 سنة. وفى ذكرى معركة العبور، ركب قتلة السادات سيارة رياسية مكشوفة، طافوا بها بين جنبات استاد القاهرة، متحدين مشاعر الملايين، كانوا كأطفال عرايا غافلوا أمهم وجلسوا فى طشت الغسيل فرحانين بعريهم، غير عابئين بأن أدموا قلوب الملايين الذين يذكرون مصرع رئيسهم فى ذكرى يوم مجيد، كان هو فى مقدمة صانعيه. كانت الدماء تسيل من أشداقهم، والأنياب تنخر شفاههم الغليظة، فى حين كانوا يجاهدون فى إخفاء ذيولهم بالجلوس عليها فى السيارة الفارهة. وسول لهم خيالهم التعس أن يقسموا البلد بلدين، ويسعروا نار الشقاق، بأن زعموا أن الكنائس أضحت مخازن أسلحة، فتقصدوها بالحرائق، وتركوها خاوية بغير صلبانها، ولكنهم لم يستخرجوا منها - ولو بالباطل قطعة سلاح واحدة. وبذلك ظهر الناب السادس ينطلق منه شرر ودخان، وكانت آثار الذيول واضحة حتى فى رماد الحرائق. وكان الجدار الحديد أصبح فى رقة ورق السجائر.

ــ 4 ــ

لم يبق إلا اليوم السابع، يوم الفصل. من ثم رأى الكبير ألا مجال لانتظار ذلك اليوم. لقد كان يشاهد ببصيرته حشوداً مرتقبة من الأنياب الدامية والذيول الراقصة، تقتحم الجدار المختفى فى بطونهم الدموية، بفعل ألسنتهم المبارد.

مائة مليون إنسان، فى أفواههم ألسنة منداة بذكر الله، والتوكل عليه، وعشق الوطن، واعتناق محبته: تلاحمت الأكتاف، كانت الأمهات تدفع عربات الأطفال، والرجال يتماسكون بالأيادى، ومن حولهم يلعب الصبيان والبنات ألعابهم المحبوبة، وكان تراب الوطن المتصاعد بفعل الزحف المترامى بمساحة الأرض يشكل منهم كتلة واحدة « عرضها شهر، وطولها عشر »، لم يهددوا. لم يتوعدوا. غير أن الألسنة المبارد، والذيول المختالة، والأنياب الدامية.. استوعبوا الرسالة فولوا مدبرين.

ــ 5 ــ

أنا الموقع على هذا أدناه، عندما رأيت مشهد يوم الفصل، وصدور الحكم بإجماع مائة مليون من القضاة العدول، ذكرت « الواد زرافة الحنجور» العملاق الطيب، وأدركت أنه كانت له منزلة البراءة عند بارئه، وأنه.. حقاً كان يرى إلى بعيد.. بعيد جداً..

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق