رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى انتظار «الواقفين» الجدد

تحقيق ـ حسـنى كمـال
عمارات سكنية - عمارات الأوقاف

د. مختار جمعة: استرداد الأوقاف المغصوبة.. واستمرار الملاحقة القضائية

وزيرالأوقاف : أصدرنا أفضل أطلس وقفى فى العالم يحصر أملاكنا بمختلف المحافظات

د. عز الدين فكرى: تجارب الغرب أكثر قوة ونجاحا.. و«هارفارد» من أبرز نماذج الوقف التعليمى.. الإفصاح عن نشاط المؤسسات الوقفية ضرورة لطمأنة وتشجيع أفراد المجتمع

محمد كيلانى:  مدارس و48 شقة لغير القادرين وودائع لدعم البحث العلمى ..الملكية والأهلية القانونية واعتناق ديانة سماوية.. أهم الشروط

د. عبدالوارث عثمان:.. الأوقاف القبطية والإسلامية الأثرية تتعرض للانهيار

 

مجموعة من الأفكار تتبادر إلى الأذهان، بمجرد أن نبدأ حديثا عن «الوقف».. البعض يظنه شأنا إسلاميا بحتا، مستدعيا من الذاكرة حكايات جود الصحابة بالبساتين والآبار وأشجار النخيل، بينما يعتقد البعض الآخر أنه تاريخ مضى أغلبه ولم يتبق منه إلا شواهد أثرية، تنتظر دوما يد الاهتمام وأعمال الترميم. لكن الحقيقة التى دفعتنا للخوض فى كل زوايا هذا الموضوع أنه ليس بهذا ولا ذاك، فباب الوقف لم يُغلق وإنما اعتراه فتور قليل مع نقص الدعاية والتسويق، لإرشاد جمهور عريض - من المسلمين وغير المسلمين - من الباحثين عن مجالات الخير المستمر، الذى ينفعهم وينفع أوطانهم، ويجبر أى نقص حكومى فى خدمات الصحة وإسكان الفقراء ومساعدة طلبة العلم غير القادرين، بل وأخيرا المساهمة فى زواج الشباب المتعففين.

اللغة تكشف المعنى

الوقف فى اللغة، هو الحبس والمنع. المصدر وقف وقفا، والجمع أوقاف، ومعنى تحبيسه: ألا يُورث ولا يباع ولا يوهب، ولكن يُترك أصله، ويُجعل ثمره فى سبيل الله. وفى المعنى الشرعى فهو: صدقة جارية، أما وفقا للفقهاء، فهو حبس المال على ملك الله تعالى، والتصدق بالمنفعة حالا أو مالا على أى وجه من وجوه البر.

وقد يظن الكثيرون أن حبس المال على هذا النحو أمر يخص المسلمين وحدهم، ولكن الحقيقة أنه كان معروفا لدى غيرهم من الأمم والشعوب على اختلاف معتقداتها، وإن كان لم يطلق عليه اسم «الوقف»، إذ كان الأفراد الموسرون يُقبلون على حبس جزء من أموالهم وممتلكاتهم، للاستفادة من ريعها سواء لخدمة الأنشطة الدينية ودور العبادة، أو للأنشطة الاجتماعية والتى منها مساعدة الأرامل والفقراء وطلبة العلم، حيث وجدت تلك النماذج الوقفية فى الحضارة البابلية ولدى الفراعنة والرومان، كذلك لدى اليونانيين من خلال أوقاف شهيرة خصصت لمدرسة أفلاطون، مما مكنها من الاستمرار لقرون عديدة. بينما لم يعُرف الوقف عند العرب، كما قال الإمام الشافعى: لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارا ولا أرضا وإنما حبس أهل الإسلام، حيث بدأ الوقف فى الظهور منذ عهد الصحابة، وكان أغلبه من الأراضى والبساتين والنخيل والآبار فى المدينة ومكة، ثم الشام والعراق ومصر. وتوسع الوقف فى العهد الأموى وكذلك العباسى، حيث كثرت الأموال الموقوفة فى الأندلس والمغرب ومصر والشام، لدرجة أن أراضى الوقف بلغت ثلث مجموع الأراضى الزراعية وقتها.

أنظمة عديدة ومختلفة

رغم أن نظام الوقف الإسلامى هو الأفضل من حيث الآلية وأوجه الصرف، غير أننا نجد تجارب الغرب فى هذا المجال، أكثر قوة ونجاحا،كما يؤكد الدكتور عز الدين فكرى عميد كلية الإدارة بالجامعة الحديثة، وأستاذ ورئيس قسم المحاسبة الأسبق بكلية التجارة بجامعة الأزهر، قائلا إن دور الحكومات فى تلك الدول الغربية، يقتصر على الترخيص بمزاولة النشاط والمراقبة عليه، فى ظل نظام متكامل يخضع للمحاسبة والشفافية، مما جعل حجم المؤسسات الخيرية هناك ينمو بصورة ملحوظة. وتأتى جامعة هارفارد كنموذج لأشهر المؤسسات التعليمية الممولة من الوقف بقيمة 37.6 مليار دولار، كما تأتى الكنيسة الكاثوليكية فى ألمانيا بقيمة وقفية تبلغ 26 مليار يورو.

ويضيف فكرى أنه لدى الغرب مصطلحات متعددة تعبر عن صور متعددة للوقف لديهم، من أهمها مصطلح Endowment ويعنى رصد مبلغ من المال وتوزيع عائده على الأعمال الخيرية، ومصطلح Charity Trust ومعناه العام صندوق استثمارى أوصندوق خيري، وهو أقرب إلى الوقف الخيرى لدينا، باختلاف أن المال الموقوف فى الترست تثبت ملكيته للأمين أو الناظر، أما فى الوقف الخيرى الإسلامى فالناظر لا يملك المال الموقوف. أما عن الاتجاه المعاصر للوقف فى الدول الغربية فيتمثل فى ظهور ما يسمى التمويل الجماعى crowdfunding، وهو ما تتجه إليه بعض الدول العربية الأن، ويمكن تطبيقه فى مصر من خلال الصكوك الوقفية.

توجيهات رئاسية

نقلة نوعية فى إيرادات هيئة الأوقاف، وصيانة أعيان الوقف واستيداء حقوقه، واسترداد المغصوب منه بوضع اليد، جميعها ظواهر أرجع الفضل فيها الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف، إلى وجود اهتمام كبير من القيادة السياسية، وتوجيهات مستمرة فى أكثر من مناسبة من رئيس الجمهورية، بضرورة صيانة حقوق الوقف والحفاظ عليه، والعمل على تعظيم عوائده وحسن استثماره، مشيرا إلى صدور أول أطلس وقفى لهيئة الأوقاف المصرية، مكون من اثنين وتسعين مجلدا، والذى تم تصنيفه كأفضل أطلس وقفى فى العالم، وكعمل جغرافى فريد تم بالتعاون بين وزارة الأوقاف ووزارة الاتصالات وهيئة المساحة، بهدف حصر جميع أملاك الأوقاف بمختلف المحافظات ورفعها وتطبيقها مساحيًّا على أرض الواقع، وإعطاء كل قطعة منها رقمًا قوميًّا وتحميل ذلك كله إلكترونيًّا.


وأوضح د. جمعة أن الوعى بدأ يزداد فى السنوات الأخيرة لعودة الاهتمام بالوقف، كنوع من الصدقات الجارية، التى تجمع بين مزايا تزكية النفس البشرية وتطهيرها من شدة حب المال والممتلكات والتعلق بهم، وبين حصد الواقف لجزاء هذا الخير المستمر من الله سبحانه وتعالى، فضلا عن مساهمته فى تحقيق التنمية المستدامة للجيل الحالى والأجيال القادمة، لأنه بذلك العمل لا يحبس المال، بل يعطيه لمن يديره ويخلق منه منافع للناس ليصبح العطاء مستمرا، وهذا يتحقق بالإدارة الجيدة لهذا المال ووظيفته، وهو الدور المنوط بوزارة الأوقاف التى تقوم بالإشراف والرقابة المستمرة، للتأكد من أن أساليب وإجراءات العمل تسير طبقا للخطط والبرامج الموضوعة له.

ولم ينف وزير الأوقاف تعرض هذا المال لاعتداءات أحيانا، واصفا إياها بأنها جرائم لا تسقط بالتقادم سواء بالنسبة للعقاب الإلهى، الذى نهى عن ذلك فى قوله تعالى:» يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ». أو بالنسبة للعقاب القانونى، إذ نظمت المادة 115 مكرر من القانون رقم 164 لسنة 2019، بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937، ما يتم توقيعه من عقوبة فى حالة التعدى على أموال الأوقاف، كما نظم القانون مواد القانون المدنى لحماية الوقف من التعديات.

وأكد جمعة استمرار ملاحقة الوزارة قضائيا كل من تسول له نفسه أن ينال بغير حق، أو يفرط فى حق من حقوق الوقف الذى يوصف دائما بأنه مال الله، والذى حبسه صاحبه بغرض عمارة المساجد، أو إطعام الجائع أو كساء العارى أو تعليم الفقراء، ونشر العلم المستنير وسائر سبل الخيرات، مشيرا إلى صدور أحكام قضائية عديدة مكنت الوزارة من استعادة أملاكها.

كيف تنشئ وقفا؟

من حقك أن تفكر فى وقف مال أو أرض أو عقار، ولكن قبل أن تتوجه إلى مقر وزارة الأوقاف المصرية - الجهة المختصة بالتعاقد على الوقف - يجب أن تراجع عددا من الشروط بعضها يتعلق بالشخص الواقف نفسه، وأهمها كما يفصل لنا فضيلة الشيخ محمد عيد كيلانى رئيس الإدارة المركزية لشئون البر والأوقاف؛ أن يكون مالكا للعين الموقوفة وألا يكون مدانا جنائيا، وبالطبع يكون قد بلغ سن الرشد وبكامل أهليته القانونية، وألا يكون مريضا فى مرض الموت مثلا. أما بالنسبة للديانة، فلا يُشترط أن يكون مسلما، ويكفى أن يكون معتنقا إحدى الديانات السماوية. كما توجد كذلك شروط خاصة بالعين المراد وقفها، أهمها: ألا تكون محلاً لنزاع قضائي، أو محجوزاً عليها، وأن تكون خالية من العيوب، كما يشترط أن تكون ملكاً للواقف وقت إبرام الوقفية، وألا تكون تلك الملكية مشاعاً لا تقبل القسمة فيها لتحديد الجزء الموقوف.

وأوضح كيلانى أن أموال الوقف لها طبيعة خاصة نظمها القانون؛ وجعلها معفية من الرسوم، وغير قابلة للتملك بوضع اليد بالتقادم الطويل المكسب للملكية. وبينما يمكن الرجوع فى بعض أنواع الوقف بشروط، أو طلب أن يكون على سبيل التأقيت، إلا أن وقف المساجد يكون دائما على سبيل التأبيد ولا يجوز الرجوع عنه، وإذا ما اقترن الوقف بشرط غير صحيح صح الوقف وبطل الشرط، وبالنسبة لوقف غير المسلم، فيشترط أن تتفق الجهة الموقوفة مع شريعة الواقف ومع الشريعة الإسلامية كذلك

تتبقى بعد ذلك مرحلة التوثيق، أى الإشهاد على العقود وسائر التصرفات وتوثيقها، مشيرا إلى إمكانية التواصل عبر الإنترنت من خلال الموقع الإلكترونى للوزارة لمعرفة وفهم كافة التفاصيل، حيث يتاح للمتبرع تحديد أوجه الصرف، والاختيار بين أكثر من 40 مصرفا، لريع الوقف ما بين الدعوة الإسلامية أو إعمار المساجد أو مساعدة وإطعام الفقراء، ومساعدة طلبة العلم من غير القادرين أو رعاية الأيتام أو علاج المرضى من الفقراء، مؤكدا خضوع ذلك كله لمراقبة وإشراف اللجنة الشرعية المحاسبية، والمختصة بدراسة الوقف تفصيلا والوقوف على نسب الصرف لريع كل وقف على حدة.

صحة وتعليم

ويكمل الشيخ محمد كيلانى حديثه، قائلا إنه على عكس ما يعتقد البعض من أن الوقف كان تاريخا، وأن ما لدينا الآن هو فقط آثاره القديمة، إلا أن الحقيقة أن هناك صحوة بدأت تعود للمجتمع تمثلت فى الإقبال على الوقف من جديد، فعلى مدار السنوات الست الماضية تم الإشهاد على أوقاف جديدة بنحو 38مليون جنيه، مما يؤكد حرص أهل الفضل على هذا النوع من الصدقات الجارية التى يستمر نفعها وريعها وعائد حسناتها عليهم وعلى أمواتهم.

ويضيف أنه لدينا مع مطلع هذا العام العديد من الودائع والشهادات البنكية، التى أوقفها أصحابها ومنهم نساء أيضا لأعمال الخير، وتزيد قيمتهم عن عدة ملايين، ولأن للواقف كل الحق فى تحديد ما يريد أن يوجه إليه ماله أو ريعه، فهناك من اختار على سبيل المثال أن يكون وقفه - من خلال وديعتين ماليتين - لمصلحة قسم جراحة الأوعية الدموية بقصر العينى، ولمصلحة كذلك منح جائزة أحسن بحث علمى فى هذا التخصص، كما توجدكذلك ودائع لدعم الخدمة الطبية بمستشفى الدعاة، المخصصة لاستقبال الأئمة والمؤذنين والعمال، بينما هناك وقفية يشترط صاحبها الإنفاق على التعليم، حيث تم بالفعل بناء ٨ مدارس من عائدها على مستوى الجمهورية، وكان أحدث ما وصلنا وقفية بيت من ثلاثة أدواركامل التشطيب بإحدى قرى منية القمح بمحافظة الشرقية، أوقفها مالكها لأعمال الخير وكصدقة جارية له بعد مماته، كذلك تخصيص فاعل خير نحو خمسين وحدة سكنية بأماكن مختلفة بمحافظة القاهرة، للشباب غير القادر الراغب فى الزواج، وللمرضى ممن يترددون على العاصمة طلبا للعلاج، مشترطا أن يكون الإيجار رمزيا لهذه الوحدات.

وأوضح كيلانى، أنه إما أن يتم استثمار العين الموقوفة بإيجار زهيد للفقراء، أو يتم تأجيرها بسعر السوق كنوع من الاستثمار، الذى ينفق عائده على الفقراء والمحتاجين أيضا، ومنها الأسواق كسوق الخميس المملوك لهيئة الأوقاف، والذى يحل مشكلة الباعة الجائلين بالمطرية ويوفر لهم مكانـًا حضاريـًّا، من خلال 769 باكية بالسوق، كمرحلة أولى بقيمة إيجارية ميسرة.

أوقاف أثرية

من المشكلات التى تواجه الوقف، حدوث تعديات ومحاولات للاستيلاء عليه من خلال وضع اليد، ويوضح كيلانى أنه تم تسلم عدد 165عينًا تزيد قيمتها على سبعة مليارات جنيه، نتيجة تنفيذ أحكام قضائية صادرة لمصلحة هيئة الأوقاف المصرية، مؤكدا أنه كانت هناك أيضا مشكلة وجود تشابك بين كل من هيئة الأوقاف المصرية وهيئة الإصلاح الزراعي، ولكن بعد أن صدرت تكليفات من رئيس الجمهورية بفك هذا التشابك، جاء قرار رئيس الوزراء بالتنسيق مع وزارة العدل بنقل التكليف للأراضى المستردة من هيئة الإصلاح الزراعى لهيئة الأوقاف المصرية، مما مكن الهيئتين من استيداء حقوقهما والسيطرة على الأراضى الواقعة تحت ولاية كل منهما، والتى تزيد مساحتها عن 17 ألف فدان. أما عن المساجد الأثرية، فيوضح أن هناك بروتوكولات مع وزارة الآثار، بينما أقر مؤخرا مجلس النواب القانون 90 لسنة 2020 للأوقاف المسيحية، والذى يقضى بتسليم الأوقاف المسيحية الموقفة على الكنيسة لهيئة الأوقاف القبطية حتى تتولى إدارتها.


سوق الخميس بالمطرية - أسماك - سوق السمك

مزيد من التفاصيل حول الموضوع الوقف القبطى، يأتى على لسان الدكتور عبدالوارث عثمان، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، مستعيدا تاريخ تأسيس هيئة الأوقاف القبطية المصرية، الذى يرجع إلى عام 1960 بناء على القرار الجمهورى رقم ١٤٣٣م لسنة ١٩٦٠، والذى يقضى بإنشاء هيئة تختص بحصر الأوقاف القبطية عقب قوانين التأميم، حيث تم حصر الأوقاف القبطية بمعرفة هذه الهيئة، ووضع النظم الكفيلة لحسن إدارتها، مما أمكن من استعادة أكثر من 100 وقف قبطى خيرى كانت الدولة قد وضعت يدها عليها، كما أمكن أيضا تنمية واستثمار الكثير منها، وهذه الأوقاف التى تضم مساحات من آلاف الأفدنة، تخضع لرقابة الجهاز المركزى للمحاسبات.

ويشير عثمان من ناحية أخرى إلى المشكلات التى تواجه الأوقاف الإسلامية والقبطية الأثرية على حد السواء، وحاجتها الملحة لإعادة ترميم مثل هذه المواقع الأثرية والتاريخية، وهو ما كشف عنه حادث انهيار أحد حوائط كنيسة أثرية فى محافظة المنيا، وتسببه فى سقوط ضحايا، وكذلك الحال بالنسبة للآثار الإسلامية، إذ انهارت الميضة التاريخية الأثرية فى مسجد السلطان حسن والذى يعتبر تحفة إسلامية نادرة ورائعة، مما أثار الرأى العام المصرى ولفت انتباه الجميع، حتى قام الكثير من الأعضاء فى مجلس النواب بتقديم طلبات إحاطة حول هذه الموضوعات.

التطور القانونى

قبل أن ينتصف القرن العشرين، كانت الدولة المصرية على موعد مع أول قانون للوقف، ثم توالت بعده القوانين المنظمة له حسبما كان يتضح من نقائص أو سلبيات تستدعى تلافيها بتعديل أو تشريع جديد، ووفقا لما ذكره لنا الدكتور عز الدين فكرى عميد كلية الإدارة بالجامعة الحديثة، فإن مراحل التطوير استدعت نقل الإدارة من «الناظر» إلى «الوزارة» ثم أخيرا هيئة الأوقاف، حيث كان الوقف نوعين وفقا لأول قانون للوقف رقم 48 لسنة ١٩٤٦ وقف خيرى ووقف أهلى على العائلة والذرية، وكان الأخير موجودا حتى فترة قريبة فى عائلات كبيرة ومعروفة بالغورية، إلى أن تم إلغاؤه بموجب المرسوم بالقانون رقم 180 لسنة 1952 الذى قرر إلغاء الوقف على غير الخيرات، ثم جاء القانون 247 لسنة 1953 لينقل النظارة على الوقف الى الدولة ممثلة فى وزارة الأوقاف، إلا أن هذا كان سببا فى أن يعانى الوقف خلال تلك الفترة من مشكلات الإدارة الحكومية، كما تدنى عائد الوقف جدا آنذاك، مما استلزم تصحيح المسار بإصدار القانون رقم 80 لسنة 1971، والذى نص فى مادته الأولى على أن تنشأ هيئة عامة تسمى (هيئة الأوقاف المصرية) تكون لها الشخصية الاعتبارية وتتبع وزير الأوقاف، وبذلك انتقلت إدارة الأموال الوقفية من الإدارة الحكومية بمشكلاتها المعروفة قديما وحديثا الى هيئة اقتصادية مستقلة، كما نص القانون على أن تتولى الهيئة نيابة عن وزير الأوقاف بصفته ناظراً على الأوقاف الخيرية، إدارة هذه الأوقاف واستثمارها والتصرف فيها على أسس اقتصادية، بقصد تنمية أموال الأوقاف، ثم جاء مشروع قانون الوقف الخيري، الذى وافق عليه مجلس النواب فى مايو الماضي، ليركز بصورة رئيسية على ريع الوقف، حيث يهدف الصندوق الى استثمار فوائض حسابات اللجنة العليا للخدمات الإسلامية والاجتماعية، وصناديق النذور وصناديق إعمار المساجد القائمة فى نهاية السنة المالية، وفوائض ريع الوقف وسائر التبرعات والهبات والمنح النقدية أو العينية، التى يتلقاها من الأشخاص الطبيعية والاعتبارية وأى موارد أخرى يصدر بها قرار من رئيس الجمهورية، فيما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.

للوقف أنواع

ليس كل عين موقوفة تصلح للاستثمار، كما يوضح د.فكري.. فهناك أعيان تكون الإستفادة منها فى أعمال الخير من خلال الاستخدام فقط كالمسجد، أوقد تكون مما لا يمكن استثماره لنص الواقف على ذلك، ومنها المبانى الموقوفة لإيواء الأيتام. أما النوع الثانى، فهو أعيان موقوفة للاستغلال الاقتصادى فى أى مجال من مجالات النشاط الاقتصادى المتنوعة، وتحقيق عائد يستخدم فى الإنفاق على وجوه البر المختلفة، وثالثا: وقف النقود عند من أجاز وقفها، وهذه الأوقاف يكون الاستثمار فيها حتمياً بإعتبار أنها من الأثمان وليست من العروض، فهى لا تدر منفعة بذاتها وإنما يجب استثمارها لتحقيق المنفعة والعائد.

الحوكمة والرقابة

مما يزيد من فرص الوقف الجديد، ويشجع الراغبين فى وقف أى ملك لهم نقدا أو عينا بزيادة الثقة، يقترح د. فكرى أن يتم تطبيق الحوكمة، ونعنى بها مجموعة الضوابط والآليات التى تنظم العلاقة بين أربعة أطراف أساسية، وهى (مجلس الإدارة والإدارة والمساهمين وأصحاب المصالح الأخرى)، ذلك فى أى منشأة بهدف الاستغلال الأمثل للموارد الاقتصادية المتاحة، والحد من مخاطر وأضرار تضارب المصالح بينها وبين الشركة مع الرقابة الصارمة عليها، وهو ماحقق أفضل النتائج فى ممارسات دول، مثل اليابان وإسبانيا وفرنسا والبرازيل، مؤكدا أن تطبيق الحوكمة فى الوقف سيؤدى إلى تشجيع الإدارة نحو استخدام كل الموارد بكفاءة عالية، وإشراك الممولين والملاك والمتبرعين فى نموذج الوصاية على الأوقاف والرقابة على عمل مجالسها، والتأكد من فعاليتها فى أداء المهام الموكلة إليها.

وأوضح د. عز الدين أن الوقف يمكن أن يشارك بقوة فى جميع جوانب التنمية المستدامة لتلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها الخاصة، فهو ينمى السلوك الادخاري، ويعمل على إعادة توزيع الدخل بين الطبقات (توزيع غلة الوقف على المستحقين لها)، كما يدعم البنية التحتية للاقتصاد، ويخفف عن كاهل الدولة، من خلال إنشاء الطرق وبناء الجسور وحفر الآبار، فضلا عن توفير التمويل اللازم للمشروعات المختلفة، ومعالجة مشكلة البطالة من خلال القروض الحسنة والمشاركات مع أصحاب المشروعات، واستحداث مصادر دخل للفئات المهمشة فى المجتمع (الوقف لمصلحة الفقراء والمساكين والارامل وغيرهم).

وأوصى عز الدين بضرورة الاهتمام بالوقف والنظر إليه وفقا لأهميته الاقتصادية، مع ضرورة الإفصاح بشفافية عن نشاط هذه المؤسسات الوقفية، لطمأنة أفراد المجتمع على حسن إدارة ممتلكات الأوقاف، بغرض تحفيزهم على الانضمام للمنظومة الوقفية، ويلعب الإعلام دورا مهما فى هذا المجال، للعمل على تشجيع قيام أوقاف جديدة تتناسب مع مستجدات العصر الحالي.


 

رسم توضيحي لتطور الإيرادات إلى الأفضل بوزارة الاوقاف عام 2021 -2020 مقارنة بعام 2019- 2020

 


رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق