رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

جامعة القاهرة تجدد نفسها

تعمل جامعة القاهرة منذ فترة على تجديد نفسها عبر الدخول إلى عصر جامعات الجيل الرابع «fourth generation universities»، وتبتغى من هذا فى المقام الأول المشاركة فى تحقيق الغايات والأهداف القومية للدولة الوطنية المصرية، تلك الدولة التى أصبحت تملك طموحات كبيرة، كما صارت تمتلك القدرة على تحقيقها يوما بعد يوم، فى منظومة تقدمية لافتة.

وعلى هذا الأساس القومي، أقامت جامعة القاهرة خطتها الإستراتيجية والتنفيذية (2021/ 2025) على مواصفات جامعات الجيل الرابع؟

والسؤال: ما مواصفات جامعات الجيل الرابع؟

يمكن القول إن جامعتنا ترفض منهجية التلقين والحفظ والتقليد سواء للقدماء أو الغرب والشرق، وهى لا تقدس إلا المقدس الإلهى ذاته مع إعمال العقل النقدى والإبداعي، أما كل ما هو بشرى فهو محل للفحص وقابل للصواب والخطأ، وما تاريخ العلوم إلا تاريخ الخطأ والصواب. وتعمل جامعتنا على مراجعة نفسها باستمرار؛ ومن ثم التطوير الدائم واللانهائي، فالكمال غاية لانهائية يجب السعى الدائب لها عبر التاريخ وعبر كل مراحله. ومن هنا فنحن ضد الجمود وضد ادعاء الكمال أو القداسة لأنفسنا؛ فلا قداسة إلا لله، ولا كمال إلا له سبحانه.

وفى هذه المرحلة من تاريخ تطور جامعتنا، نجد أنها نجحت إجمالا فى التحول إلى جامعة من الجيل الثالث، وهذا ما يوجب علينا التفكير الجاد فى فريضة جديدة للتحول إلى مرحلة أعلى. وقد اخترنا أن تكون المرحلة الجديدة هى الدخول فى عصر جامعات الجيل الرابع دخولا خاصا ومختلفا، يراعى السياق المصرى فى هذه المرحلة التاريخية التى تمر بها بلادنا، كما يوظف معايير وخصائص الجيل الرابع لخدمة الأمن القومى المصرى بمفهومه الشامل. إن مفهوم جامعات الجيل الرابع مفهوم عالمي، لكننا سوف نطبقه فى إطار الخصوصية المصرية دون التخلى عن السياق العالمي؛ وهذا لأننا لا نعمل بمعزل عن العالم وفى الوقت نفسه لا ننسى خصوصيتنا النوعية specificity.

إن نقطة تركيز الجامعة ليست الانخراط كلية فى النظام العالمي، بل الانخراط الجزئى عالميا، مع امتلاك جسور دولية إستراتيجية وشبكة شراكات محلية قوية strong local network ، والمشاركة فى قيادة النظام البيئى المحلى local ecosystem. ومن هنا لا تبعد خصائص جامعات الجيل الرابع عن التحدى القومى الذى نواجهه، خاصة أنها تركز على النظام المحلى غير المنفصل عن السياق العالمي، وكأننا نعود إلى المقولة الملهمة (إن التعمق فى المحلية يقود إلى العالمية)، تلك المقولة التى سبق إليها بأعماله خريج قسم الفلسفة جامعة القاهرة الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل العالمية فى الآداب عام 1988 بأعماله المتجذرة فى الحارة والشارع المصري.

إننا نهدف فى هذه المرحلة إلى جعل التعليم والبحث العلمى قائما على طريقة الابتكار، واستحداث ساحات للابتكار المفتوح open innovation spaces للمساهمة فى عملية التنمية وحل المشكلات لتحقيق الغايات الإستراتيجية القومية للوطن، بينما كانت «جامعات الجيل الأول»تهدف فقط إلى التعليم، وتهدف «جامعة الجيل الثاني» إلى التعليم مع البحث العلمي، فى حين تهدف «جامعة الجيل الثالث» إلى الجمع بين التعليم والبحث العلمى واستغلال المعرفة.

ودورنا هو (التمكين من مهارات خلق القيمة) للمشاركة فى تحقيق التنمية القومية الشاملة لبلدنا، بينما كان دور جامعات الجيل الثالث هو (خلق القيمة)، أما دور جامعات الجيل الثانى فهو (اكتشاف الطبيعة)، بينما كان دور جامعات الجيل الأول فى العصور الوسطى هو (الدفاع عما تعتقد أنه الحقيقة). ولعلكم تلاحظون – أعزائى القراء- أن بعض الجامعات فى عصرنا لا تزال تدور فى أفق جامعات العصور الوسطى وتدافع عن وجودها فيه دفاعا مقدسا ومعتقدة أن التاريخ قد توقف عند العصور الوسطى! وتتخيل أن دورها هو استعادة هذا التاريخ والعودة للخلف! منكرة سنن الله فى التطور، وغير مدركة أنه سبحانه (..ويَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (سورة النحل، من آية 8)، و(..كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ) (سورة الرحمن، من آية 29).

وفى الوقت الذى لا تزال فيه تلك الجامعات تدور فى فلك جامعات الجيل الأول المدافعة عما تعتقد أنه الحقيقة النهائية، فإن هناك جامعات قد تحولت إلى الجيل الرابع الساعى إلى الابتكار المفتوح والتمكين من مهارات خلق القيمة.

فما الفرق بين (خلق القيمة) الذى يتشكل حوله دور جامعات الجيل الثالث و(التمكين من مهارات خلق القيمة) الذى يتجسد فيه دور جامعات الجيل الرابع؟

ربما يمكن القول بلغة بسيطة إن (خلق القيمة) على سبيل المثال هو (صناعة الماكينة) التى تصنع المنتج، بينما التمكين من مهارات خلق القيمة هو أن تعلم الآخرين كيف يصنعون هذه الماكينة وتعلمهم مهارات استخدامها. وبلغة أكثر شعبية، كان يقال (أعطنى سنارة ولا تعطنى سمكة)، فالسنارة هى القيمة والسمكة هى المنتج. وكان يُنظر لهذه المقولة بوصفها حكمة، أما الآن فالأمر أبعد من ذلك بكثير؛ حيث صار الهدف هو التمكين من صناعة القيمة، بمعنى تعليم الآخرين مهارات صناعة القيمة. وهنا تنشأ حكمة جديدة وهي: (لا تعطى الآخرين سنارة، بل علمهم كيفية صناعة السنارة وعلمهم مهارات كيفية استخدامها فى الصيد). ويمكن القول إن هناك درجات للعطاء، أولاها- أن تعطى للآخرين المنتج جاهزا، ثانيتها- أن تعطيهم الماكينة التى تصنع المنتج، ثالثتها- أن تعطيهم، وهو العطاء الأهم، مهارات طريقة صناعة الماكينة ومهارات استخدامها فى الحصول على المنتج. وفى تصورى هذا هو الطريق الجديد للتقدم والمشاركة فى صناعة العلم النافع.

ومنهجنا كجامعة تنتهج نهج جامعات الجيل الرابع، ليس مدرسيا مثل جامعات الجيل الأول، وليس قائما على التخصصات الدقيقة أو أحادية التخصص مثل جامعات الجيل الثاني، ولا على العلوم بينية التخصصات مثل الجيل الثالث، بل قائم على الابتكار متعدد التخصصات لخدمة عمليات التقدم القومي. وهو ما بدأنا به بالفعل بتأسيس كلية النانو تكنولوجي.

وفيما يتعلق بطريقتنا مع تنمية رأس المال البشرى، فالمستهدف ليس فقط تخريج موظفين وباحثين فقط، بل أيضا تخريج رواد أعمال وفنانين وعلماء ومشاركين فى النظام البيئى وفق الخصوصية المصرية. والتوجه نحو نظام بيئى فعال وواسع، مع زيادة الارتقاء باللغة الإنجليزية بوصفها لغة العلوم فى العصر الحالى دون التخلى عن الارتقاء بلغتنا العربية ومحاولة تطويرها لتعود لغة للعلوم كما كانت فى الماضي، ومن هنا كان مشروعنا لتطوير اللغة العربية الذى تم إطلاقه هنا على صفحات جريدة الأهرام العريقة منذ فترة.

وفى الجانب الإداري، تطوير النهج الإدارى الذى بدأناه منذ مدة غير وجيزة، والذى يعتمد على الحوكمة واللامركزية، والتخطيط المسبق، والمتابعة، والتدخل عند وجود معوقات لإزالتها، والتدخل أيضًا عند حدوث خروج عن الخطط المقررة. مع المرونة الكافية التى تراعى التحديث اللازم للخطط كما تراعى الاختلافات النوعية بين المؤسسات التابعة.


لمزيد من مقالات د. محمد الخشت

رابط دائم: