رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عن مستقبل المسلسلات فى المحروسة

ابتعد القلب وانتعش الخيال بالتشكيل الجديد لمستقبل الدراما والإرسال التليفزيونى فى مصر المحروسة, وعندما شاهدت المسلسلات التليفزيونية خلال العام الأخير لابد لى أن أتوقف عند النجاح الباهر لثلاث مسلسلات ستظل خالدة فى التاريخ المصرى أولها: مسلسل الجماعة للنجيب الراحل وحيد حامد وثانيها: مسلسل الاختيار بجزءيه ولكن مسلسلات الحارة المصرية تقف كلقمة فى الزور, ذلك أنى عشت عبر أعوامى الثمانين الكثير من حارات الاسكندرية والقاهرة فأنا المولود على حرف حى الأولياء الصالحين بالإسكندرية, سيدى المرسى أبو العباس وسيدى ياقوت العرش وسيدى الأباصيرى وهم أولياء الله الصالحون الذين كانت مراقدهم الأخيرة بجوار حى السيالة وحى الجمرك وحارة العوالم بالإسكندرية, وهكذا تجاور عمق الإيمان مع عمق الترهل الاجتماعى فى الإسكندرية وعندما كبرت قليلا عشت على حافة حى كرموز وحى غربال وحى غيط العنب وهى أحياء ثلاثة تتجاور وتتوازى مع شارع عرفان باشا بالإسكندرية.

وهكذا نشأت وعرفت معنى شهامة الحى الشعبى وضراوة الكراهية عندما تنفجر كمعارك طاحنة بين فتوات الحى وأعترف بأن بصيرة الأستاذ شوقى عبدالناصر مدرس اللغة الإنجليزية وشقيق جمال عبد الناصر كانت هى الهادى المنير لرؤية عمق التطور الاجتماعى فى الإسكندرية فقد كان مدرسا لى بمدرسة محرم بك الخاصة وكانت بصيرته وتحليلاته هى الهادى لجيلى من أبناء مدرسة محرم بك الخاصة بالإسكندرية.

شاهدت معارك الفتوات والشباب فى أنحاء الإسكندرية ولم أجد فيها هذا الكم المثير للغيظ لما تصوره بعض المسلسلات عن الأحياء الشعبية فالألفة المرادفة للقسوة هى سمات بارزة فى الأحياء الشعبية ورغم جوارى لمدة 19 عاما فى الإسكندرية بطولها وعرضها وشواطئها وملاهيها لم أر هذا (الغث) المثير للغيظ حيث تجد العنف ثمة ظاهرة لأبناء الأحياء الشعبية، فضلا عن تجارة المخدرات والمعارك الطاحنة بين فتوات وصعاليك كل حى.

ولم يعبر أحد من كتاب المسلسلات عن واقع الحياة الشعبية مثلما فعل عالمنا الفيلسوف الروائى العظيم نجيب محفوظ, وكانت معظم المسلسلات التى تصور الأحياء الشعبية بعيدة كل البعد عن التفاصيل اليومية لتلك الأحياء ولذلك تستطيع تلك المسلسلات التليفزيونية أن تجد لنفسها مكانة فى الخيال الاجتماعى لأبناء جيلى.

لاتحمل الذاكرة صورة لتجار المخدرات وعصابات النصب والقهر والمعارك الطاغية بين أبناء الحى الشعبى الواحد. لا أنسى على سبيل المثال أربع سنوات عشتها فى حى بوالينو الملاصق لحى محرم بك بعد رحيل الوالد انتقلت الأسرة من حى الطبقة المستورة بشارع عرفان الى الحى الأقل قدرة اقتصادية وهو حى بوالينو عشت فى هذا الحى التجسيد الراقى لمعنى الشهامة بين أبناء الحى الواحد, رأيت على سبيل المثال (كيداهم) فاتنة شارع بوالينو وهى أبنة المسحراتى رمضان الذى يتولى الدق على طبلته فى ليالى رمضان وبعد انتهاء الشهر الكريم يتحول الرجل الى شحاذ فى قطار أبو قير, وكانت (كيداهم) فتنة الحى تتلاعب بخيال شباب بوالينو تزوجت لشهور من صاحب المخبز الذى أراد أن يجعلها زوجة ثالثة فى مسلسل زيجاته وعندما أراد أن يضيف لنفسه زوجة رابعة رأيت هذا المفتول الشوارب وهو يتلقى ضربات من شبشب السيدة (كيداهم) لتنال الطلاق ولتتزوج بعد ثلاثة أشهر من منادى السيارات الأشهر بحى محرم بك حيث كان يقوم بمهمة المنادى بحى محطة الرمل، واشتهر بعد ذلك كواحد من أكبر تجار العملة بالإسكندرية, وبعد أن كان يخاف من أى عسكرى أو أمين شرطة صار صاحب مكانة عالية بين رجال الأعمال لا بالإسكندرية وحدها ولكن فى عموم المحروسة وامتلكت (كيداهم) بيتا كالقصر فى حى كفر عبده الراقى بالمحروسة الإسكندرية.

وهكذا لم أجد فى رحلة الواقع ما يتطابق مع واقع الحياة الشعبية التى تصورها مسلسلاتنا وعندما انتقلت للحياة فى القاهرة عشت فى حى الناصرية لمدة شهور بسيطة ثم انتقلت الى حى الدقى والمهندسين ولم أجد فى المسلسلات ما يصور واقع الحياة فلم أصادف تجار مخدرات ولا معارك بسكاكين وتكسير المقاهى التى تزدحم بها مسلسلاتنا ثم عشت فى واحد من أرقى البانسيونات فى شارع شريف حيث جاورت كثيرا من عازفى اوركسترا القاهرة السيمفونى الذى أهداه لنا خيال العظيم الراقى الراحل الدكتور ثروت عكاشة.

وعندما أعود بالخيال الى فلسفة الحياة فى الحى الشعبى لا نجد سوى نجيب محفوظ معبرا أصيلا عن جوهر الحياة الشعبية, أما من حاولوا التعبير عن ذلك فى المسلسلات التليفزيونية لا نجد أحدا قد وصل الى قامة أسامة أنور عكاشة بمسلسلاته وعلى رأسها ليالى الحلمية, بل عندما أراد اقتحام تفاصيل الحياة فى المجتمع الراقى كان مسلسل زيزينيا مصورا رائعا لتفاصيل حياة الإسكندرية قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الثانية ثم جاءت مسلسلات دراما التجسس فتربع رأفت الهجان على رأس تلك المسلسلات وهكذا استطاع التليفزيون أن ينفذ الى واقع الخيال الاجتماعى والسياسى الذى عشناه بمصر المحروسة.

مر كل ذلك على شاشة الخيال وأنا أتابع وقائع ما خرج من أخبار التأسيس للشركة الإعلامية التى ستتولى إدارة الخيال الاجتماعى منذ أول أمس ومتمنيا لها النجاح فى سبر الواقع لنستنير رؤية المستقبل, ولعل وجود المؤرخ الاجتماعى الشائق والعملاق الروائى فتحى غانم الذى صور لنا بدايات الإرهاب عبر رواياته ورحلة ميلاد التطرف الدينى وجوهر فساد بعض من قادة الرأى عبر الخمسين عاما الأخيرة هذا العملاق لانجد رواياته كمسلسلات تليفزيونية رغم أن كل سطر ومشهد من رواياته انما هو تعبير كالأشعة الكاشفة بكل الأوجاع الاجتماعية, ولكن فتحى غانم لم يكن خبيرا فى نشر الأخيار الصغيرة عنه وعن انجازاته بل اكتفى بثقل مواهب أخرى كموهبة صالح مرسى وعبد الله الطوخى وعلاء الدين وغيرهم عشرات وكان كالمنارة الهادية فى عواصف الأجيال ليهدينا فن اختيار المستقبل.

باختصار اذا كان التليفزيون قد نقل لنا عبر مسلسل الاختيار والجماعة تفاصيل الوعى الاجتماعى بما أفسده التأسلم السياسى فالترحيب المزدحم بالأمل فى أن تكون الدراما التليفزيونية هى عيون تبصر بها واقعنا وتاريخنا لنتقن عن عدم التوهان عن فن اختيار المستقبل.

كل الأمانى بالنجاح والتوفيق للشركة الوليدة المسئولة عن مستقبل الخيال المصرى والعربى.


لمزيد من مقالات منير عامر

رابط دائم: