رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قناة السويس والحدود بين الشرق والغرب

لقد أثبتت الايام القليلة الماضية والتى حبس فيها العالم كله شرقه وغربه أنفاسه عندما حدثت أزمة جنوح السفينة إيفرجيفن EverGiven بقناة السويس والتى استمرت ستة أيام جعلت القاصى والدانى ينطق بأهمية القناة كشريان مائى أوحد لن يستطيع أحد أن ينكر أو يقلل من أهميتها، وستظل أبدا هى الممر المائى الرئيس وشريان قلب العالم.

كنت قد انتهيت من قراءة وترجمة واحد من الكتب الهامة التى صدرت وتحكى عن فترة مهمة من قصة قناة السويس بعنوان: توجيه التنقلات: الهجرة والعولمة فى منطقة قناة السويس وما بعدها فى الفترة من 1869 إلى 1914 أى منذ افتتاح القناة حتى بداية الحرب العالمية الاولى بقلم الباحثة الالمانية فاليسكا هوبر . تناول الكتاب تاريخ قناة السويس- والتى ذكرت مرارا على أنها محلية عالمية ـ من خلال استكشاف العديد من الرحلات المتنوعة التى شملت النخبة من المسافرين، والجيوش، والحجاج المتوجهين الى مكة، والبدو الرحل، والبغايا، والمهجرين البيض والسود، وغير ذلك من الشخصيات الهامشية الاخري. لقد تم عسكرة منطقة القناة ليس بسبب تنقل القوات الاستعمارية فحسب، بل أيضا بسبب زيادة القيود التنظيمية على السياسات الصحية والهجرة، وهنا يٌبرز الكتاب ثلاث تشابكات عالمية مهمة: الاول والذى بدأ مع افتتاح السويس حينما كان ينظر إلى القناة على أنها نقطة ربط بين أوروبا وآسيا، وفى الوقت نفسه نقطة اختناق، فمدينة بورسعيد المقر الرئيسى لشركة القناة، غدت مكانا يفرق بين الأوروبيين والعرب. بما يعنى أن القناة باتت محورا للوصل ونقطة للاختناق فى الوقت نفسه، أما التشابك الثانى فكان يتعلق بعسكرة المنطقة حيث كانت شركة قناة السويس مؤسسة خاصة، تنافس عليها وعلى حكمها والسيطرة عليها ثلاث قوى إمبراطورية استعمارية رئيسة، هى بريطانيا وفرنسا والدولة العثمانية. بداية لم يكن البريطانيون مهتمين بها بالرغم أنه بين عامى ١٨٧١- ١٨٩٥، كانت نسبة حمولة القناة والتى سافرت تحت العلم البريطانى تقدر من ٧٠ إلى ٨٠ %، ومن ثم فقد اصبحوا المراقب والمهيمن على القناة، فبنوا قواعدهم العسكرية لإبقاء القناة منطقة محايدة دولية وكان أن انتهى الامر بسيطرتهم على مصر عام ١٨٨٢. أما الاخير فيتعلق بالبنية التحتية للاتصالات وأنواع المركبات التى عززها افتتاح القناة. فقد كانت الرحلات فى كلا الاتجاهين، ووصفت القناة، ليس بوصفها نقطة اجتماع بالنسبة للاتصالات العالمية، بل بوصفها حدودا بين الشرق والغرب مما سلط الضوء على الاختلافات بين العالمين وليس التغلب عليها.

فى تلك الفترة (1869-2014) تطورت القناة إلى طريق لا يحوى المعلومات والسلع فحسب، بل الأفراد وأفكارهم وقصص نجاحهم أو اخفاقاتهم أيضا. وسرعان ما أصبح القطاع الصحراوى فى خليج السويس مفترق طرق مهما بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، فتقاطعت حركة الركاب المتنامية بين بريطانيا العظمى والهند على سبيل المثال مع قوافل السفن الشراعية فى البحر الأحمر. ففى موقع كانت فيه قوافل الجمال طيلة قرون من الزمان تعبر الصحراء، والوسيلة الوحيدة لنقل الناس، بات لزاما على تلك القوافل أن تنتظر لكى تمر السفن قبل أن يتمكنوا من قطع الطريق عبر القناة الجديدة. وتقول الكاتبة فى تقديمها للكتاب بالرغم من أن هناك عددا من الدراسات التى تصور بناء القناة باعتباره إنجازا هندسيا فى مساقاتها الدبلوماسية والاقتصادية، فإنها لم تحظ بالاهتمام كموقع عالمى يستحق الدراسة بالتفصيل.

فما الذى حدث على أرض الواقع فى ذلك الموقع المهم؟ ومن الذى مر بالقناة ولماذا؟ وكيف كان ينظر إلى المرور بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، ونٌظمه، والتحكم فيه خلال تلك الفترة 1869-1914 (موضوع الدراسة) ؟ ولمن كانت تجربة القناة ممتعة؟ وكيف كانت السيطرة السياسية والعسكرية والشرطية الموجودة فى مجرى مائى من أراضى الغير والتى لم تكن تنتمى لكيان سياسى واحد؟ ومن كانت له سلطة التحرك بالسرعة الكاملة أو تعطيل حركة الآخرين؟ أسئلة صعبة حاول الكتاب أن يجيب عنها مستعينا بعدد كبير من المراجع والوثائق فجاءت كلها تحكى قصصا ونوادر ومآسى وفخرا وقهرا ومرضا وضعفا وقوة وهجرة وتنقلات من الشرق الى الغرب ومن الغرب الى الشرق وباتت تلك المنطقة تنطق بحياة صاخبة اندمجت فيها حضارة الغرب مع تقاليد الشرق وأخرجت هجينا مختلطا أو خليطا مهجنا من البشر والحيوات وباتت رمزا للقوة لفئة ونقطة ضعف لفئة أخري، خلقت نوعا جديدا من الاستعمار المهيمن، إنها قصة قناة السويس الى تحولت الى نقطة حدود تفصل بين الغرب والشرق، بين الحضارة والتقاليد، بين الغش والخداع..!


لمزيد من مقالات د. حامد عبد الرحيم عيد

رابط دائم: