رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تراث حقوق الإنسان والهوية المصرية (3)

مصر قدمت للعالم دستورا يعتبر أول وثيقة لحقوق الإنسان تحدد ما هو متاح ومباح وما هو محرم وممنوع. يحاسب الإنسان على عدد من الأمور عليه أن يتحاشاها ولا يقوم بها وأمور أخرى عليه أن يلتزم بها ويؤديها. هذا السلوك كان مطلوبا اثناء الحياة ويحاسب عليه بعد الوفاة لتقرير مصيره فى المحكمة الإلهية. يصل المتوفى إلى قاعة محكمة السماء التى يتصدرها أوزوريس ومعه 42 قاضيا بينما تحوتى إله المعرفة والحكمة يراقب الميزان الذى يوضع على إحدى كفتيه قلب المتوفى والكفة الأخرى ريشة ماعت رمز الحق والعدل تبدأ المحاكمة ويوجه القضاة الأسئلة للمتوفى لتحديد موقفه ومن الأسئلة التى يجب أن يكون الرد عليها بالنفي:

هل كنت فى أى حال تكذب؟ هل قتلت نفسا بغير حق؟ هل عذبت حيوانا؟ هل كنت سببا فى دموع إنسان؟ هل تحدثت بسوء عن غيرك؟ هل مزقت الغيرة قلبك؟ هل أخذك الغرور بذكائك فعميت عليك حكمتك؟ .. هل سلبت حرية أحد؟ هل عاملت من هو أقل منك بالطريقة التى تكره أن يعاملك بها من هو أكبر منك؟ هل تعلقت بالدنيا بسلاسل من ذهب هل عميت عن أمور الآخرة؟.. هل كرهت انسانا؟ ..هل عرفت السحر الأسود ودنست نفسك به؟.. هل امتدت يدك لسرقة ما ليس لك؟..هل سُكرت حتى فقدت عقلك؟.. هل اتلفت أرضا مزروعة؟.. هل جعلت أحدا يبكي؟.. هل نظرت الى امرأة غير زوجتك؟ هل خنت جارك أو صديقك الذى ائتمنك على عرض بيته؟ هل نسيت أن تسقى نباتا؟...هل تنكرت لجارك؟هل كنت اسيرا لغضبك يوما؟ .

أما الأمور التى كان يجب عليه القيام بها: أن يكون قلبه طاهرا، يداه طاهرتين، عينا للأعمي، يدا للمشلول، رجلا للكسيح، أبا لليتيم.

وعندما ترجح كفة قلب المتوفى ويثبت أن قلبه صاف وأعماله أرضت الإله تعلن براءته من الذنوب ويكتب اسمه فى سفر الحياة وتفتح له أبواب الجنة.

هذه الأسئلة تحمل فى طياتها قيم ومبادئ حقوق الإنسان من العدل والمساواة والتضامن والتكافل واحترام الآخر بل أنها تتضمن قيما وحقوقا لم تصل اليها الوثائق الدولية الا حديثا مثل حماية البيئة والاهتمام بالموارد الطبيعية ومكانة المرأة ومنع الانحراف والتحرش. هذه الثروة من القيم علينا التعرف عليها والالتزام بها بل والتباهى بما جاء فيها وتعريف العالم بها املا ان تلتزم بها الدول التى تحاسب غيرها على حقوق الإنسان.

عندما قررت الأمم المتحدة تحديد يوم فى السنة ليكون عيدا عالميا للتراث كان ذلك لأنها أدركت قيمته وتأثيره. اهتمامنا بالتراث والدعوة الى التعريف به ليس مجرد رحلة ذهنية فهو من أهم العوامل التى تؤثر فى الإنسان وتشكل المجتمع.

التراث هو مجموعة من الموروثات تنقل من الأجداد الى الأبناء  لكى يكون عبرةً من الماضي ونهجا يستقى منه الأبناء الدروس ليَعبُروا بها من  الحاضر إلى المستقبل.

والتراث بجوانبه المتعددة سواء طبيعيا لغويا ثقافيا دينيا علميا يحدد الهوية وخصوصية المجتمع وتجاهله يعتبر تفريطا فى كنز المعرفة والخبرة التى تراكمت عبر القرون، من هنا كان اهتمامنا بسرد عدد من جوانب ذلك التراث الذى يثبت تفوق اجدادنا وأهمية الحفاظ عليه واستيعابه للاستفادة منه.

سئلت يوما فى إحدى المقابلات التليفزيونية عن بعض امنياتى كان واحدا منها ان نرى اليوم الذى يقف فيه المصرى امام اثار ومعابد اجداده ويمكنه أن يقرأ ويفهم ما عليها باللغة الهيروغليفية قيل لى وقتها إن هذا امل بعيد لكننا اليوم ونحن نعيش عصر الإنجازات فقد اصبح من الإنصاف ان نشير الى ان هذه الأمنية تتحقق فقد تضمنت مناهج التعليم بعد تطويرها مادة تعليم اللغة الهيروغليفية.

وعندما نتحدث عن الاهتمام باللغة الفرعونية والقبطية التى هى امتداد لها فإن ذلك لا يعنى انكار عروبة مصر، اللغة لا تحدد الهوية.

فى أستراليا ونيوزيلاندا واسكتلندا يتكلمون الإنجليزية لكن ذلك لم يجعلهم انجليزا . اغلب دول امريكا اللاتينة تتحدث اللغة الإسبانبة لكن لكل منها جنسيتها وهويتها. فى البرازيل يتحدثون البرتغالية لكنهم ليسوا من مواطنى البرتغال. الفرنسية يتحدثون بها فى سويسرا وبلجيكا وعدد كبير من دول افريقيا لكن هذا لم يجعلهم فرنسيين.

الاهتمام بلغة الأجداد لا يقصد منه انكار الدوائر الأخرى المتعددة التى تعيش فيها مصر سواء الإفريقية والعربية والإسلامية والمتوسطية. لكنه لتأكيد أن رغم ما تعرضت له مصر من غزوات لكلٍ ثقافتها فإن مصر لها هويتها الخاصة المتميزة التى يجب التعرف عليها والاعتراف بها والاعتزاز بما تتضمن من مزايا وقيم.... حفظ الله مصر.


لمزيد من مقالات د. ليلى تكلا

رابط دائم: