رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الاختيار2.. الطواغيت!

حرص واضعو مناهج الجماعات التكفيرية على شيئين خطيرين يخدعان البسطاء ومتوسطى الثقافة؛ الأول محاولة إسقاط هيبة الحكام والقادة عبر تشويههم دينيًا، والثانى تقديم أنفسهم بوصفهم مبتعثين لساحات النضال والتحرر لمواجهة من يصفونهم بالطغاة المستبدين.

مصطلح الطواغيت الذى سمعناه يتردد كثيرًا على ألسنة قادة وعناصر الجماعات التكفيرية ونحن نتابع أحداث المسلسل العظيم الاختيار2 هو أقوى أركان الدعاية التى تستخدمها جماعة الإخوان الإرهابية والتكفيريون لتحقيق جملة من الأهداف، أهمها التشكيك فى شرعية قادة يحظون بشعبية جارفة ويتمتعون بزعامة كاريزمية وحققوا إنجازات ضخمة على المستويين المحلى والإقليمي، والمطلوب من الإخوان وفق رغبات القوى الخارجية الداعمة للجماعة التى يزعجها هذا النموذج من القادة الأقوياء بمصر أن تقوض شرعيتهم وتبيح محاربتهم تمهيدًا للتخلص منهم، لذا لا تجد أقوى من كلمة مذكورة بالقرآن فى سياقات الذم وتجاوز حدود الطغيان وهى كلمة الطاغوت، علاوة على توخيهم إخفاء عوار أفكارهم وفضيحة كونهم صورة حديثة من الخوارج، وهم آباؤهم الأولون الذين كفروا الناس بالمعاصى وأنزلوا أحكام القرآن فى غير موضعها، ولهذا روجوا مصطلح طواغيت هذا العصر لتخفيف آثار صفتهم الملتصقة بهم وهى خوارج هذا العصر. الطاغوت وفق المفهوم القرآنى هو الطاغية المتجاوز الحد بدعوته الناس أن يعبدوه من دون الله، ولكى يحول التكفيريون المعنى الدينى لسياسى يحقق مآربهم زعموا بأن كل من لا ينتمى إليهم طاغوت وكل حاكم لا يعتنق تصوراتهم طاغوت ومن يطيعه هم عبدة الطاغوت، وبذلك أهدروا دماء الحاكم والمواطنين العاديين.

كى نفهم هذه المسألة المهمة ونعرف من هم فعليًا طواغيت العصر لابد أن نتيقن من أن هناك فى الواقع طواغيت أرادوا ورضوا أن يُعْبَدوا بغير حق من دون الله، ومرد ذلك أن الحكومة الدينية –إن جاز هذا المصطلح بمعناه الاستثنائي- لم تتحقق فى تاريخ الإسلام إلا مرة واحدة على يد النبى صلى الله عليه وسلم، ولن يتكرر ذلك أبدًا لأن الوحى قد انقطع بعد انتقاله للرفيق الأعلي، وبعدها أصبح للناس الحق فى تأسيس حكوماتهم المدنية ودولهم السياسية التى تتوافق مع متطلبات حياتهم ومستجدات عصورهم.

قادة الإخوان وغيرها من الجماعات التكفيرية عندما يصبغون نظم حكمهم بصبغة الدولة الدينية والحكومة الإلهية يتجاوزون حدودهم البشرية التى حرص على الوقوف عندها حتى الخلفاء الراشدون الأربعة الذين فهموا جيدًا أنهم بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم بصدد حكم من صنع البشر يستهدون فى تنفيذه بمبادئ الإسلام العليا وبوحى من عقولهم وبمختلف العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية المتاحة، ولذا رفض أبو بكر الصديق رضى الله عنه لقب خليفة الله فهو يعلم أنه لو قبله لمنح من بعده من الحكام صكًا بأن يتحولوا إلى طواغيت، أما البغدادى والخمينى والبشير ومرسى والغنوشى ونصرالله.. إلخ فهؤلاء ومن سبقوهم لهذا المنحى قد تجاوزوا حد الطغيان بادعاء ما ليس لهم وكأنهم يُوحى إليهم حاشا لله عبر مزاعم الدولة الدينية والحكم الإلهي، لا لشيء سوى اكتساب ما كان حقًا للرسول صلى الله عليه وسلم المُوحَى إليه من عصمة وقداسة، بباطل لا ينبغى لهم يحولهم لمستبدين وطواغيت يرتضون تقديس آرائهم وحكمهم البشرى من دون الله.

يقف الإسلام الصحيح على الجهة المقابلة لمزاعم الحكم الدينى الذى يضفى على مُدعِيه قداسة مزورة من دون الله، وهؤلاء هم بحق من ينطبق عليهم وصف الطواغيت؛ كونهم ساقوا البلاد بزعم الانتساب الكاذب لله إلى غير مراد الله للبشر من تطور وتنمية ورفاهية، وهذا واضح تمامًا فى كل نماذج الحكم الدينى المُدعاة؛ ففى إيران منذ 1979 كل ما يقدمه النظام للشعب هو الفقر والتخلف والبؤس ولا يُصدر سوى التوترات وإثارة الغرائز المذهبية، وعلى الرغم من أن الدول التى اخترقها هذا النموذج بوكلائه غنية وتتوافر بها موارد طبيعية وبشرية نوعية فإنها فشلت على كل المستويات، فلم تُبن مستشفى ولا مدرسة فى العراق والبلاد بلا كهرباء ولا مياه صالحة للشرب والشباب بلا عمل، فأين ذهبت المليارات من جراء بيع النفط سنويًا؟ وأين موارد لبنان المُعرض للانهيار الاقتصادي؟ لكى تُمنع تمامًا أسئلة من هذا النوع تبحث عن مصير الأموال المختفية ولماذا تُسلم الثروات كلها إلى فئة معينة محدودة العدد، يلبس الحاكم أو الحاكم بالوكالة العمامة ويزعم أنه يحكم باسم الله ليكتسب قداسة دينية زائفة تحول بينه وبين المساءلة. بعيدًا عن مزاعم القداسة الزائفة والشعارات الشوفينية المغلفة بالدين نجت مصر من هذا النفق المظلم والآن تحقق أحد أسرع معدلات النمو فى العالم، وتصدر التنمية والخبرات وتجتذب رءوس الأموال وتطور التعليم والصحة والمرافق العامة وترفع مستويات المعيشة وتوفر الوظائف وتقوى أجهزة الدولة لدعم الاستقرار وحماية أمنها القومي، فأى النموذجين يحكمه طواغيت، وأيهما ألصق بالتصور الإسلامى الصحيح؟.


لمزيد من مقالات هشام النجار

رابط دائم: